لواء. د. أحمد الجيزاوى يكتب: حين تتحول التكنولوجيا من أداة تقدّم إلى اختبار للتماسك الاجتماعي
بيان
لم يعد التهديد الذي يواجه المجتمعات المعاصرة يأتي من حدودها الجغرافية أو من صراعات عسكرية معلنة، بل بات يتسلل بهدوء إلى نسيج الحياة اليومية عبر خوارزميات صامتة وأنظمة ذكية تُعيد تشكيل الوعي والعلاقات الاجتماعية دون ضجيج، فالذكاء الاصطناعي، الذي قُدِّم للعالم بوصفه محرّكًا للتقدم والتنمية، أصبح في الوقت ذاته اختبارًا حاسمًا لقدرة المجتمعات على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وصون القيم التي تقوم عليها الثقة والاستقرار.
لقد دخل الذكاء الاصطناعي حياة البشر من أوسع أبوابها، فكان في أحد وجوهه قوة دافعة للتقدم؛ إذ أسهم في رفع جودة التعليم، وتحسين الرعاية الصحية، وإدارة الموارد بكفاءة، كما عزّز قدرة الدول على تحقيق أهداف التنمية المستدامة بوتيرة أسرع وأكثر دقة، ولم يكن مستغربًا، في هذا السياق، أن تعتمد الحكومات الحديثة عليه في بناء مدن ذكية، وترشيد الطاقة، وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير الخدمات العامة بصورة غير مسبوقة.
غير أن هذا التقدم التقني، على أهميته، لم يكن محايدًا اجتماعيًا؛ إذ رافقته تحولات عميقة في طريقة إدراك الأفراد للعالم، وحدود ما يعتبرونه طبيعيًا أو مقبولًا، وكيفية تفاعلهم مع الآراء ووجهات النظر المغايرة، ومع توسّع الاعتماد على الخوارزميات التي تحدد ما نراه ونقرأه، لم تعد المعرفة تُستقبل بوصفها فضاءً مفتوحًا، بل باتت تُدار وتُنتقى وتُعاد صياغتها ضمن مسارات موجهة، بما يعيد ترتيب الأولويات والانتباه وأنماط التفكير.
وفي هذا السياق، لم تعد الفقاعات الرقمية مجرد نتيجة جانبية لتخصيص المحتوى، بل تحولت إلى آلية بنيوية لإدارة الوعي الجمعي، فمن خلال حصر الأفراد داخل دوائر معرفية مغلقة تُضخّم قناعاتهم المسبقة وتحدّ من احتكاكهم بوجهات النظر المغايرة، تُعاد صياغة إدراكهم للواقع على نحو يضيّق الأفق المعرفي، ويغذّي التحيزات، ويحوّل التعدد الطبيعي في المجتمعات إلى استقطاب صامت.
ومع مرور الوقت، لا ينعكس هذا الانغلاق على مستوى الرأي وحده، بل يمتد إلى شكل العلاقات الاجتماعية نفسها؛ حيث تتراجع مساحات الالتقاء، ويضعف الإحساس بالمصير المشترك، ويهتز المجال العام الذي تتشكّل فيه القيم الجامعة، وهو ما يمس جوهر التماسك الاجتماعي ويجعله أكثر هشاشة أمام الأزمات والتحولات المتسارعة.
ولا يتوقف تأثير الذكاء الاصطناعي عند تنظيم المعرفة، بل يمتد إلى المجال الإعلامي والثقافي، حيث بات المحتوى يُنتج ويُوجَّه وفق منطق التأثير لا التنوير، وهنا تتجلى الإباحية الفكرية بوصفها آلية ناعمة لتفكيك القيم، لا من خلال الصدام المباشر معها، بل عبر تفريغها من معناها بالتكرار والإثارة والتطبيع، ففي هذا النمط من الخطاب، تُستَخدم مفاهيم الحرية والجرأة والإبداع لتبرير كسر المعايير دون تقديم بديل قيمي أو إنساني جامع، ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الذوق العام، وإضعاف المرجعيات المشتركة التي تضبط السلوك الاجتماعي.
وتتزامن هذه التحولات الثقافية مع بروز أنماط جديدة من التهديدات التي تستهدف الوعي قبل الممتلكات، مثل التزييف العميق، والاحتيال الذكي، والتضليل الخوارزمي، والاستهداف الدقيق للفئات الهشّة، وهي تهديدات لا تمس الأفراد فحسب، بل تمتد مباشرة إلى بنية الأمن المجتمعي، عبر إرباك الإدراك الجمعي، وزعزعة الثقة في المعلومة والمؤسسات.
هذه المسارات المتراكمة تفضي إلى ما يمكن وصفه بـ الصدمة البطيئة؛ وهي نمط من التغير الاجتماعي لا يحدث عبر أزمات فجائية أو صدامات معلنة، بل عبر تدرّج صامت يعيد تشكيل الوعي والسلوك على مدى زمني طويل، فالقيم لا تُقلب رأسًا على عقب دفعة واحدة، بل تُعاد معايرتها تدريجيًا، وتُخفف حساسية المجتمع تجاه التغيرات القيمية المتراكمة، حتى يصبح الاستثناء قاعدة دون نقاش عام أو قرار جماعي واعٍ.
ومن هذا المنظور، تتقاطع الصدمة البطيئة مع منطق حروب الجيل الرابع، التي لا تستهدف احتلال الأرض أو تدمير الجيوش، بل تفكيك المجتمعات من الداخل عبر ضرب منظومة القيم، وإضعاف الثقة، وإرباك المرجعيات الثقافية، غير أن ما يشهده العالم اليوم يتجاوز هذا الإطار إلى ملامح حروب الجيل الخامس، حيث يُدمج الذكاء الاصطناعي التنبؤي وتحليل البيانات الضخمة في توجيه السلوك الاجتماعي قبل وقوعه، والتأثير في القرارات الجماعية بشكل استباقي، دون حاجة إلى ضغط مباشر أو أدوات قسرية.
في هذا السياق، يصبح المجتمع ذاته ساحة لصراع غير معلن، وتتحول البيانات والسلوكيات اليومية إلى مواد خام تُستخدم في إعادة هندسة الوعي والاختيار، وهنا لا يكمن الخطر في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب الحوكمة الثقافية والأخلاقية التي تضبط استخدامها، وتحمي المجتمعات من الانزلاق إلى هشاشة داخلية تقوّض قدرتها على الصمود وتحقيق التنمية المستدامة.
فالأمن المجتمعي، بوصفه قاعدة للاستقرار والتنمية، لا يقوم فقط على القوانين أو الإجراءات الأمنية، بل على الثقة، والهوية المشتركة، والقدرة على إدارة الاختلاف دون تفكك، وعندما تتآكل هذه الأسس، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للاضطراب، مهما بلغت درجة تطورها التقني أو الاقتصادي.
ومن هنا، لا ينبغي اختزال السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي فرصة أم تهديدًا، بل في كيفية توجيهه، فالتكنولوجيا يمكن أن تكون رافعة حقيقية للتنمية المستدامة إذا وُضعت في إطار إنساني رشيد، لكنها قد تتحول إلى أداة تفكيك ناعمة إذا تُركت تعمل بمعزل عن القيم والوعي المجتمعي.
إن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في امتلاك الخوارزميات الأحدث، بل في بناء مجتمعات قادرة على حماية تماسكها، وصون قيمها، وتوظيف التكنولوجيا لخدمة الإنسان، لا لإعادة تشكيله خارج إرادته.
ولعل أخطر ما في التحولات الجارية ليس سرعتها، بل هدوءها؛ إذ تتقدم دون أن تُعلن عن نفسها كأزمة، ودون أن تستدعي استنفارًا جماعيًا مبكرًا، فالمجتمعات لا تنهار دائمًا تحت وقع الصدمات الكبرى، بل قد تتآكل ببطء تحت ضغط تحولات صامتة تعيد تعريف القيم، وتبدّل أنماط التفكير، وتُضعف القدرة على التمييز بين ما هو تقدّم حقيقي وما هو تفكيك ناعم، وفي عالم تقوده الخوارزميات أكثر مما تقوده النقاشات العامة، يصبح السؤال الجوهري ليس فقط: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: أي مجتمع نريد أن نكون في ظله؟ وهل نمتلك من الوعي والحوكمة ما يكفي لضمان أن تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا أداة لإعادة تشكيله بعيدًا عن إرادته؟.
…………………………………………………………………
كاتب المقال: خبير في الشئون السياسية والأمن القومي.





