د. سليم الخراط يكتب: البلطجة حين تحكم العالم

بيان

البلطجة حين تصبح الشعوب وأنظمتها أدوات قهرها وذلها… عبيدًا.
البلطجة حين تكون المصالح والسياسات هي الهدف من كل حدثٍ يجري.

فماذا لو حصل السقوط المذل؟!
نعم، السقوط المذل!
لكن ماذا بعد هذا السقوط إن تم؟!

الفيتو الروسي والصيني كانا الرد والعنوان الحاسم، والسبب لقبول الاتفاق بالهدنة تمهيدًا لهدنة طويلة في المنطقة.
هل هو إخراج مسرحي مختصر يمهّد للخروج من أزمة التورط في حرب الخليج؟!

فمن جديد… ماذا بعد؟!

والكيان الصهيوني المحتل، الذي لا يأبه لاتفاق أو هدنة، وهو المتوحش والإرهابي بكل المعاني، مستقويًا بترامب المجنون…؟!

هنا يفرض النضال التساؤل على المقاومة، والمناضل الفلسطيني يُدلي بدلوه وحقه في كل ما يراه من حقيقة ما يجري، وهو يعلم أن عنوان كل الأحداث في المنطقة والعالم هو قضية فلسطين.

لذلك، فإن السؤال كما يطرحه المناضل المقاوم والمجاهد الفلسطيني هو: لماذا سوريا، وهي موضوع السؤال، ما تزال على حافة القرار بين الحضن العربي والظل التركي؟!

لم تعد المسألة في سوريا مجرد توازنات سياسية عابرة، بل أصبحت مفترق طرق حقيقيًا لا يحتمل التأجيل.

هناك خياران واضحان لا ثالث لهما: إما التوجه الصريح نحو الحضن العربي، أو البقاء ضمن المدار التركي بكل تعقيداته.

لكن المشكلة أن الدخول إلى الحضن العربي ليس شعارًا يُرفع، بل قرار ثقيل له ثمنه؛ فهذا الخيار يتطلب إعلانًا سياسيًا واضحًا، وتغييرًا حقيقيًا في التموضع الإقليمي، لا مجرد رسائل مبطنة أو خطوات رمزية.

في المقابل، فإن الواقع الحالي يقول إن العلاقة مع تركيا ليست علاقة عابرة يمكن فكّها بسهولة.

هناك تشابك عميق في المصالح، وفي القرار، وفي النفوذ، يجعل أي محاولة للخروج من هذا المسار خطوة مكلفة جدًا.

لكن هنا تكمن العقدة الأخطر!

العلاقة بين تركيا وإيران ليست علاقة صراع كما يُصوَّر أحيانًا، بل هي علاقة مركبة، فيها قدر كبير من التفاهم والتنسيق في ملفات حساسة.

وهذا ما يجعل الموقف أكثر تعقيدًا بالنسبة للخليج.

كيف يمكن لدول الخليج أن تقبل بانخراط سوريا في محور تقوده تركيا، وهي في الوقت ذاته حليف أو شريك لإيران، وإيران نفسها تُعد الطرف الذي يهدد أمن هذه الدول ويستهدفها بشكل مباشر أو غير مباشر؟!

هنا تصبح الصورة أوضح:
الخليج لا ينظر إلى تركيا بمعزل عن إيران، بل يراها جزءًا من شبكة توازنات لا يمكن الوثوق بها بالكامل.

ولهذا، فإن الضغط الخليجي اليوم لا يأتي بالصدام المباشر، بل عبر الاقتصاد، عبر كبح الاستثمارات، وعبر إرسال رسائل واضحة مفادها:
إما تموضع واضح معنا، أو لا دعم.

هذا ما يعيدنا إلى تجربة قريبة.

عندما فُتح الباب العربي سابقًا، ثم أُغلق فجأة، وتحولت الوعود إلى أدوات ضغط، وانتهى الأمر بإعادة رسم المشهد بالكامل.

اليوم، يبدو أن التاريخ لا يُعاد، بل يُستكمل.

سوريا اليوم تقف في واحدة من أخطر اللحظات السياسية.

لا تستطيع الخروج من العباءة التركية بسهولة، ولا تستطيع في الوقت ذاته تجاهل الثقل العربي والخليجي.

المعادلة قاسية:
أي خطوة إلى الأمام قد تعني خسارة طرف، وأي تردد قد يعني خسارة الجميع.

وفي الكواليس، يبدو أن قرارًا عربيًا خليجيًا يتشكل، تشارك فيه أيضًا مصر، خصوصًا في ظل الحساسية الكبيرة تجاه التيارات الإسلامية، والرغبة في إعادة ضبط المشهد السوري بما يتناسب مع التوازنات الجديدة في المنطقة.

لهذا، فإن السؤال لم يعد: ماذا تريد سوريا؟
بل: ماذا قررت العواصم المؤثرة؟

وإذا استمرت الأمور بهذا الاتجاه، فإننا قد نكون أمام مرحلة جديدة في سوريا، مرحلة قد لا تكون فيها سوريا، بقيادتها، جزءًا من مستقبلها.

يقول أحدهم: حتى نتعلم، نحتاج أن نجرب لنتعلم.

حيث جلست في أحد الأيام مع أحد كبار السن مثلي، لكنه سبقني بعقدين.

سألته عن رأيه في جيل اليوم، فقال لي كلمات حفرت في ذاكرتي لن أنساها، وهو يقول:
عشت ورأيت؛ كانت حياتنا متعبة للجسد، لكنها مريحة للنفس، أما جيل اليوم فحياتهم مريحة للجسد، لكنها متعبة للنفس.

صحيح أن الحياة قد تطورت،
لكن الأنفس تغيرت،
والقلوب تنافرت،
والأرحام تقطعت.

طالع المزيد:

د. سليم الخراط يكتب: هل نشهد سقوط الهيمنة المدمّر القادم عالميًا في الشرق الأوسط ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى