ماكرون في عروس المتوسط: هل يغسل “أحفاد بونابرت” ذاكرة المدافع بلمسات الدبلوماسية الناعمة؟

سمر ياسين

سردية تكتبها: سمر يس

بين أزقة “المنشية” العتيقة وإطلالة قلعة “قايتباي” الشامخة، لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإسكندرية مجرد محطة بروتوكولية في أجندة دبلوماسية مزدحمة، بل بدت وكأنها محاولة لإعادة قراءة كتاب التاريخ المشترك بين ضفتي المتوسط، بعيداً عن غبار المعارك وصليل السيوف.

من “الساري عسكر” إلى “سيد الإليزيه”

حين وطأت أقدام نابليون بونابرت رمال الإسكندرية عام 1798، كان يحمل معه “المطبعة” في يد و”المدفع” في الأخرى. اليوم، يعود “حفيد” الثورة الفرنسية، إيمانويل ماكرون، متسلحاً بـ “القوة الناعمة”، ليطرح تساؤلاً جوهرياً يتردد في أروقة الفكر والثقافة: هل ينجح الأحفاد في تغيير الصورة الذهنية التي رسمتها الأجداد؟

تلك الصورة التي تأرجحت لعقود بين الإعجاب بالانفتاح التنويري الفرنسي، وبين ذكريات المقاومة الشعبية ضد الاستعمار.

الإسكندرية.. الحاضنة الدافئة للثقافة الفرنكوفونية

لم يتردد ماكرون في السير على الأقدام في شوارع المدينة التي احتضنت يوماً جاليات فرنسية شاسعة، والزيارة لم تخلُ من

زيارة المعالم التاريخية: التي تعكس التمازج المعماري الفرنسي-السكندري.

دعم التعليم: التأكيد على دور المدارس الفرنسيةو جامعة سنجور كجسور ثقافية لا تنقطع.

الحوار مع الشباب: حيث سعى ماكرون لتصدير صورة “فرنسا الجديدة”؛ فرنسا الشريكة في التنمية والمناخ والتكنولوجيا، وليس فقط فرنسا “المستشرقة”.

تغيير السردية: هل نجحت المهمة؟

أن زيارة ماكرون للإسكندرية هي محاولة ذكية لـ “أنسنة” العلاقة التاريخية. فبدلاً من التركيز على التاريخ العسكري، ركزت الزيارة على:

الإرث الثقافي: الإشادة بدور العلماء الفرنسيين في فك رموز حجر رشيد وتأسيس علم المصريات.

المصالح المشتركة: الحديث عن الإسكندرية كمركز طاقة مستقبلي وبوابة للتجارة نحو أوروبا.

الاعتراف المتبادل: التعامل مع الهوية المصرية كشريك حضاري مكافئ، وليس مجرد موضوع للدراسة.

“إن ماكرون لا يحاول مسح التاريخ، بل يحاول كتابة فصل جديد فيه، يتجاوز عقدة “المحتل” إلى رحابة “الشريك الاستراتيجي” (من آراء خبراء العلاقات الدولية).

التحدي القائم

رغم الحفاوة، تظل الصورة الذهنية محملة بإرث ثقيل. فالشارع السكندري، وإن كان يرحب بالضيف الكبير ويقدر الثقافة الفرنسية، إلا أنه يراقب بعين فاحصة مدى صدق هذه التحولات. هل هي “رومانسية سياسية” عابرة، أم رؤية فرنسية جديدة تقر بحقوق الشعوب وتدعم استقرار المنطقة بعيداً عن لغة الإملاءات؟

ما وراء الأضواء

رحل ماكرون عن الإسكندرية، لكن صدى خطاه في “شارع فؤاد” لا يزال يثير الجدل. لقد أثبتت الزيارة أن “أحفاد بونابرت” يدركون جيداً أن كسب القلوب في الشرق لا يمر عبر فوهات المدافع، بل عبر احترام الهوية وفتح آفاق المستقبل.

فهل يغير الأحفاد التاريخ؟ ربما لا يستطيعون تغييره، لكنهم بالتأكيد يملكون الآن فرصة ذهبية لرسم صورة ذهنية جديدة، تجعل من “المتوسط” بحيرة للسلام لا ساحة للصراع.

اقرأ أيضا:

سمر يس تكتب: رقصة “النمل والفيلة” في إسلام آباد

زر الذهاب إلى الأعلى