د. سليم الخراط يكتب: اسألوا روما، اسألوا بغداد، اسألوا قرطبة.. متى تسقط الدول؟

بيان

عربدة الكيان الصهيو-أمريكي المتعددة في ظل صمت عربي عاهر، ومقاومة أمة بأحرارها، مقابل أنظمتها العاهرة الراكعة من أجل البقاء على عروشها، تقف وراء كل مصائب أمتنا العربية والإسلامية.

الحقيقة المطلقة، من خلال قناعتنا، أن الكيان الصهيوني الأمريكي هو من يحاول حكم العالم اليوم بالبلطجة العلنية، غير آبه بأي طرف كان في العالم.

الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، ومن خلال واجهتها المباشرة وأداتها المنفذة إسرائيل، التي ليست دولة تبحث عن السلام ثم تفشل في إيجاده، بل هي دولة تحتاج إلى الحرب كي تثبت سرديتها عن نفسها.

قراءة تقربنا من فهم كل ما يمكن أن يكون قادمًا من الأحداث التي قد تشهدها المنطقة تحديدًا والعالم عمومًا.

إنها، وكما يقال ويتم تداوله في قاعدة فقهية، تقول: “إن إجماع الناس على شيء لا يُحِلّه”، ذلك أن الخطأ يبقى خطأً ولو فعله كل الناس، والصواب يبقى صوابًا ولو لم يفعله أحد.

لا تقطعوا آذانكم! إذا كنتم على يقين أنكم على صواب، فلا تتنازلوا عنه لإرضاء أحد كان، فإذا كانوا لا يخجلون من خطئهم، فلماذا نخجل نحن من صوابنا؟ ولنتذكر دومًا أن عبارة “أكثر الناس” ما جاءت في القرآن الكريم إلا وتبعها: لا يعقلون. لا يعلمون. لا يشكرون.

إن إيماننا راسخ برب العرش العظيم الذي قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}، فلنقف مليًّا أمام هذا التعبير القرآني: “ما استطعتم” .

فعل المقاومة هو رد الفعل الناتج عن العدوان والاحتلال، وليس العكس. شئنا أم أبينا، فالحقيقة أننا في عين العاصفة بحكم الجغرافيا والأحداث.

وحتى لو استسلمنا، فإن التغول الصهيوني لن يرحمنا ولن يتركنا، نتيجة مطامعه المعلنة جهارًا نهارًا، حتى على منبر الأمم المتحدة المقوضة.

قال تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون}، إنه القرآن الكريم.

وقال أمير المؤمنين رضي الله عنه: “لا تستوحشوا من سلوك طريق الحق لقلة سالكيه”.

لكن ما يمكن استقراؤه خلال الأسابيع القادمة وحتى شهر تموز/يوليو 2026 في واقع أحداث المنطقة، أن الوضع سيكون جمودًا متوترًا وتصعيدًا محدودًا من إيران والمقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله، بهدف اختبار جدية الولايات المتحدة وإسرائيل.

لذلك، لن يتم تنفيذ البنود العسكرية المتعلقة بإخلاء مواقع الاحتلال الصهيوني بصورة مباشرة، أو تنفيذ خارطة طريق لتفكيك سلاح المقاومة وجمعه أو تدميره، ذلك لأن البيان، أو ما سمي بالمبادئ التي تم اعتمادها، لن يُستخدم إلا كورقة تفاوضية بين الأطراف المعنية لجس نبض بعضها بعضًا، لا كخريطة طريق واضحة المعالم لمستقبل الأحداث واستقرار المنطقة.

وهذا ما يستدعي فهمنا وإيماننا بأنه عندما تنهار الدول وتموت فإنها تفعل ذلك وهي تبتسم.

فمن خلال قراءة تجارب التاريخ، يتضح أن الموت يأتي على هيئة مرض بالنسبة للأفراد، أما الدول فتموت وهي بكامل صحتها، تضحك وتأكل وتقيم العروض العسكرية تباهيًا، ليس أكثر.

لا تصدقوا أن روما سقطت لأن البرابرة كانوا أقوياء، بل سقطت لأن الرومان تعبوا من أن يكونوا رومانًا، ولأن القمح صار أهم من الشرف، ولأن الكولوسيوم صار أقدس من المعبد.

للتاريخ قاعدة لا تتخلف، ولا يزال يعلمنا ونحن لا نتعلم، وربما لن نتعلم حتى يهدينا الله: كل دولة تظن أنها الاستثناء، تصبح هي العبرة.

اسألوا بغداد عن هارون الرشيد، كان يخاطب السحابة: “أمطري حيث شئت، فخراجك لي”.

وهل كان الغلام في سوق الوراقين يبيع كتابًا بدينارين، فيشتريه جاره بثلاثة دنانير ليهديه لابنه؟ ثم جاء هولاكو، هل كان هولاكو أقوى من الرشيد؟ حتماً لا، لكن بغداد كانت قد نسيت لماذا كانت بغداد.

أصبح الفقيه يفتي للسلطان، والشاعر يمدح الجواري، وصار السيف زينة على الجدار، فسقطت بغداد، واحترقت المكتبة، وأصبح النهر الذي كان عظيمًا أسود من الحبر.

واسألوا قرطبة. كانت منارة الدنيا، والشوارع مضاءة، والماء يجري إلى البيوت، والنساء يبعن العطور في الأسواق بلا خوف.

ثم أصبح كل ملك طائفة يقول: “أنا الأندلس”، فتقاتلوا واستعانوا بالعدو على الأخ، فأكلهم العدو جميعًا.

إن الدول لا يقتلها الغزو ولا الاحتلال فحسب، بل يقتلها أن يرى الأخ أخاه عدوًا، فيقاتله ويقتله.

انظروا اليوم إلى أمريكا. إنها أقوى من روما، تطبع الدولار، وتحرك الأساطيل، ويُسمع صوتها في جيب كل مراهق في العالم.

لكن في داخلها ملايين من المواطنين بلا رعاية صحية كافية، وانقسامات سياسية واجتماعية حادة، حتى بات الجمهوري يرى الديمقراطي شيطانًا.

سقطت روما والمصارعون يتقاتلون، وقد تسقط أمريكا أو تدخل مرحلة أفول بينما تستمر مظاهر الترفيه واللهو كأن شيئًا لم يكن.

أما إسرائيل، فهي عنوان واقع اليوم. دولة تملك السلاح النووي وتخاف من نفق، وتملك القبة الحديدية، لكنها لا تملك قبة أخلاقية تحميها من دعاء مظلوم.

ويُقال إن نسبة من مواطنيها تبحث عن جنسية أو جواز سفر آخر، وهو ما يعكس لدى البعض حالة من القلق تجاه المستقبل.

هذه ليست سوى قراءة يراها أصحابها تعبيرًا عن هشاشة المشروع الاستيطاني.

وقال ديفيد بن غوريون: “لا دولة يهودية تعيش ثمانين سنة”، هكذا يُروى.

والتاريخ يقول إن كل استعمار استيطاني إلى زوال، وإن كل ظلم له نهاية، وإن القوة التي لا يسندها العدل قد تتحول إلى سبب فنائها.

لذلك، وباختصار: الدول لا تسقط يوم تنهزم جيوشها، بل يوم تنهزم فكرتها.

يوم يصبح القاضي تاجرًا، والجندي مرتزقًا، والمعلم موظفًا بلا رسالة، والوطن فندقًا.

يوم يصبح الظلم قانونًا، والصمت حكمة، والتصفيق للباطل ذكاءً.

يوم تغيب العدالة ويسود الظلم بأشكاله وألوانه المختلفة. فالقوي لا يسقط لأن عدوه قوي، بل لأنه صدق أنه لن يسقط.

غرق فرعون وهو يقول: {أنا ربكم الأعلى}، ومات النمرود بأضعف خلق الله. وتلك سنة من سنن الله في الكون: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}.

فإذا رأيت دولة تظلم، وتبني على ثقافة الفساد وهي تضحك، وتقتل وهي ترقص، وتدعي الأخلاق وهي عارية منها، فاعلم أن الطبيب الشرعي قد كتب التقرير، ولم يتبقَّ إلا دفن الجسد.

وحتمًا، سيكون السقوط بلا صوت.

طالع المزيد:

زر الذهاب إلى الأعلى