إكرامي هاشم يكتب: ما زال هناك من يكتب بالحجة.. لا بالضجيج
بيان
اطلعت اليوم على مقال للأستاذ عاطف عبد الغني بعنوان: “أصحاب الفيل وعلماء فقه الاستحمار”، تناول فيه بالنقد والتحليل ما يطرحه يوسف زيدان حول قصة أصحاب الفيل، وفنّد بالحجة واللغة والتاريخ عدداً من المزاعم التي يرددها، مؤكداً أن الاجتهاد العلمي لا يقوم على الإثارة ولا على مخالفة المألوف لمجرد صناعة “التريند”، وإنما على المنهج والدليل.
وأقول بوضوح إن ما نشهده اليوم ليس تجديدًا للفكر، ولا مراجعةً علميةً للتراث، وإنما أصبح – في كثير من الأحيان – تقيؤًا فكريًا يُلقى يوميًا على الناس عبر الشاشات والمنصات الرقمية، في محاولة لصناعة الجدل بأي ثمن، حتى ولو كان الثمن هو التشكيك في الثوابت الدينية والتاريخية التي استقرت عليها الأمة عبر قرون.
ولست أجزم بشيء، لكن من حقي – ومن حق كل متابع – أن أتساءل: لماذا يحظى هذا الخطاب تحديدًا بكل هذا الزخم الإعلامي؟ ولماذا يُقدَّم دائمًا باعتباره عنوانًا للتنوير؟ أهو مجرد اجتهادات فردية؟ أم أن هناك من يدفع بهذا النوع من الطرح إلى الواجهة؟ إنها أسئلة مشروعة، والإجابة عنها مسؤولية الباحثين والإعلاميين.
ما يقلقني حقًا ليس يوسف زيدان وحده، ولا إبراهيم عيسى وحده، ولا أي اسم بعينه، وإنما ذلك الجيل الذي أصبح يتلقى معلوماته من مقاطع قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما تراجعت القراءة وغابت عادة الرجوع إلى المصادر الموثوقة.
وهنا تكمن الخطورة؛ فحين تُختزل قضايا الدين والتاريخ في دقائق معدودة، يصبح من السهل زعزعة القناعات لدى شباب لم تتح لهم فرصة التكوين العلمي الصحيح.
ولقد استفزني ما يطرحه بعضُ ممَن يقدِّمون أنفسهم على أنهم باحثون في التاريخ الإسلامي؛ إذ لم يعد الأمر مجرد قراءة مختلفة للتاريخ، بل تحول – في رأيي – إلى التشكيك في كل شيء تقريبًا؛ من أحداث السيرة، إلى وقائع التاريخ الإسلامي، إلى قضايا شديدة الحساسية في وجدان المسلمين.
والأشد استفزازًا إطلاق عبارات مثل: “النبي محمد ﷺ أول رسول يستقيل”، وهو وصف لا أراه منضبطًا علميًا، فضلًا عن أنه يصطدم بمكانة النبوة في العقيدة الإسلامية، ويستبدل لغة البحث الرصين بلغة الصدمة الإعلامية.
إن الاختلاف العلمي حق، والاجتهاد باب مفتوح، لكن بين الاجتهاد المسؤول وبين صناعة الضجيج مسافة كبيرة.
ومن هنا أرفع صوتي متسائلًا: أين الأزهر الشريف؟ أين المؤسسة العلمية الأعرق في العالم الإسلامي؟ إننا اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب علمي معاصر يخاطب الشباب بلغتهم، ويجيب عن تساؤلاتهم بالحجة والبرهان، حتى لا تترك الساحة لمن يتعامل مع التاريخ والدين باعتبارهما مادة للجدل الإعلامي.
تحية للأستاذ عاطف عبد الغني على فتح هذا الملف، وأتمنى أن تتحول هذه القضايا إلى مناظرات علمية علنية، يلتقي فيها أصحاب الآراء المختلفة أمام الجمهور، ويكون الفيصل هو الدليل والمنهج، لا عدد المشاهدات ولا تصفيق الجمهور.
فمعركة هذه الأمة اليوم ليست معركة معلومات، بل معركة وعي… وإذا خسرنا وعي شبابنا، فلن يكون ما نخسره بعد ذلك أكبر.
طالع المزيد:
إكرامى هاشم يكتب: حين يتحول المصري في الخارج من سند للاقتصاد إلى متهم على الشاشات
–





