نور والإخوان والاستقواء بالأمريكان.. البرقيات السرية لهدم الدولة المصرية

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
كانت مراكز الفكر والأبحاث الغربية (Think Tanks) التي تخطط وتهندس لهجمة تفجير الفوضى في المنطقة العربية، وفى القلب منها مصر، تبحث عن شرعنة الاختراق الغربي بأكثر من وسيلة وآلية، ومن أهم هذه الآليات “الدبلوماسية الموازية” أو “الدبلوماسية الشعبية” والتى تجنب الإدارة الأمريكية الصدام المباشر مع الدول والحكومات.
وتعتمد هذه الدبلوماسية على توظيف واشنطن لمؤسسات أمريكية تحمل الطابع المدنى (حتى تتحاشى الدبلوماسية الرسمية) لكن هذه المؤسسات تعمل – فى الحقيقة – تديرها وتنسق معها أجهزة المخابرات ووزارة الخارجية أو وزارة الدفاع “البنتاجون”، ومن أمثلة هذه المؤسسات: “نيد، وفريدوم هاوس، وفريدوم كوست، والمعهدين الجمهورى والديموقراطى”، (سوف نفرد حلقة خاصة لهذه المؤسسات).
العرّاب
وكان عرّاب الصفقات والتمويل، ومقاول ووسيط المشاريع (الحقوقية) وغيرها د. سعد الدين إبراهيم، وتم فتح قنوات اتصال رسمية وحوارات مباشرة، عبر السفارة مع النشطاء أمثال أيمن نور، وحركات التغيير مثل “كفاية”، وكذا مع نواب الجماعة في البرلمان، وتم دعمها قانونياً ومادياً تحت غطاء المنظمات الأمريكية التى تحمل صفات المدنية والحقوقية والدولية.
وكان الهدف الأساسى هو التوجه لقوى الداخل الفاعلة فى الشارع المصرى، للوصول فى النهاية لإحداث الأثر المطلوب (إسقاط الدولة)، وفى هذا الصدد اعتمد مقاولو الهدم فى الخارج على ما يسمى “المجتمع المدنى، وجماعة الإخوان، بشكل أساسى.
وأكثر ما سبق كشفت عنه تسريبات الوثائق السرية الصادرة عن السفارة الأمريكية بالقاهرة، والتي عُرفت بـ “وثائق ويكيليكس حول مصر WikiLeaks Cables on Egypt ” ، وهى عبارة عن برقيات دبلوماسية أرسلها دبلوماسيون أمريكيون في القاهرة وعددها 2752 برقية – ضمن مجموعة برقيات حصلت عليها منظمة ويكيليكس لمكافحة السرية – ومضمونها يحتوى معلومات أساسية بالغة الأهمية حول تقييم السياسيين، والأشخاص المنتمين للجماعات الراديكالية مثل الإخوان، ومؤسسات المجتمع المدنى، والصراع الداخلى فى البلاد، وتقييم الأوضاع، وتقديرات الموقف المؤثرة على مستقبل البلاد.

حملت الوثائق “البرقيات” تصنيفات أمنية مشددة مثل (Secret/NoForrn) وتم تداولها بين عامي 2006 و2010، والتى يمثل الكشف عنها صدمة سياسية تطيح بالشعارات الرنانة التي كانت الجماعة تسوّقها في الشارع المصري.
شيفرات السفارة وأنظمة الفرز السري
لم تكن التقارير المرفوعة من السفارة الأمريكية بالقاهرة إلى وزارة الخارجية في واشنطن مجرد انطباعات عابرة، بل كانت تُصنف وتبوّب وفق نظام أكواد سرية صارم يسهل عملية الفرز وتوجيه الدعم.
وكانت البرقيات التي تُعنى بهندسة الفوضى والتمويل والواجهات المدنية تحمل دائماً الرمز (PGOV) المخصص للشؤون الحكومية الداخلية والسياسة المحلية.
والرمز (PHUM) هو المتعلق بملف حقوق الإنسان والنشطاء والمنظمات الحقوقية.
بينما حظي ملف الإسلام السياسي ومتابعة حركات الإسلام الراديكالي والمعتدل بالرمز السري (KISL).
واكتملت الدائرة بالرمز (EAID) الذي كان يوثق ملف المساعدات الخارجية والتمويلات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة الموجهة لصناعة التغيير تحت الأرض.
التمويل والتدريب على العصيان
وفي هذا السياق التوثيقي، كشفت البرقية السرية رقم 07CAIRO1348 المصنفة تحت بند سري للغاية ولمواطني الولايات المتحدة فقط، عن الصدام المكتوم والحاد بين السفارة الأمريكية والوزيرة فايزة أبو النجا، وزيرة التعاون الدولي آنذاك، بشأن التمويل المباشر المشبوه.
وتوضح البرقية أن السفارة مررت تمويلات ضخمة بشكل غير قانوني – وفقاً للقوانين السيادية المصرية وقتها – لصالح مؤسسة “فريدوم هاوس”، والمعهد الديمقراطي الوطني (NDI)، والمعهد الجمهوري الدولي (IRI).
وتشير المستندات صراحة إلى الضغط الأمريكي المكثف لاستخدام مركز سعد الدين إبراهيم، وهو مركز ابن خلدون لدراسات الديمقراطية، كمنصة لوجستية وتدريبية لتوزيع المنح وتدريب الكوادر الشبابية على تكتيكات العصيان المدني ومراقبة الانتخابات، مع اعتراف السفارة بفتح مكاتب غير مرخصة في القاهرة لإدارة هذه العمليات الميدانية وتجميع بيانات مسحية حول مفاصل الدولة المصرية.
تفكيك الواجهة الليبرالية ومناورات المنافي
لم تقتصر البرقيات على رصد المنظمات، بل دخلت في عمق تتبع الشخصيات المحورية التي جرى استخدامها كواجهات مدنية مقبولة دولياً. وتكشف البرقيتان رقم 05CAIRO1819 ورقم 09CAIRO384 الصادرتان عن السفارة الأمريكية تفاصيل المحاكمة والتقييم اللاحق لشخصية أيمن نور وجبهة حزب الغد.
وفي البرقية الثانية التي صيغت فور الإفراج عن نور لأسباب صحية عام 2009، قدمت السفيرة مارجريت سكوبي تقريراً تقييمياً شاملاً عقب لقاء وفد دبلوماسي رفيع بنور وزوجته آنذاك جميلة إسماعيل في منزلهما بالزمالك.
وتذكر البرقية صراحة أن السفارة كانت تدرس مدى قدرة أيمن نور على إعادة تجميع الشتات الليبرالي ودمجه مع القواعد العمالية وحركات الاحتجاج الناشئة لكسر قبضة النظام.
وتوثق البرقية طلب نور المباشر لدعم أمريكي ملموس للضغط من أجل تعديل الدستور، بينما علقت السفيرة سكوبي في مذكرتها المرفوعة لواشنطن بأن نور يحاول تدويل قضيته للبقاء في المشهد، لكنه يفتقر تماماً للقوة التنظيمية الفائقة التي تمتلكها جماعة الإخوان المسلمين، مما يجعله في الحسابات الإستراتيجية مجرد واجهة تكتيكية مؤقتة ومفيدة للضغط على الدولة.
الشغل مع الجماعة عبر نواب البرلمان
هذا التوظيف الممنهج للواجهات المدنية فتح الباب أمام التنسيق البرلماني والغطاء الحقوقي الأوسع، وهو ما وثقته البرقية رقم 08CAIRO2114 المصنفة تحت بند سرّي ومكتوم.
البرقية رصدت تفاصيل غداء عمل سري جمع دبلوماسيين من القسم السياسي بالسفارة الأمريكية مع الدكتور محمد سعد الكتاتني، رئيس كتلة الإخوان البرلمانية آنذاك.
وخلال هذا اللقاء، طلب الدبلوماسيون الأمريكيون توضيحاً حول طبيعة تنسيق الإخوان مع منظمات المجتمع المدني الحقوقية التي تتلقى تمويلاً أمريكياً مباشراً.
وأكد الكتاتني في نص البرقية أن الجماعة أوعزت لعدد من عناصرها الشبابية والنسائية بالانخراط الكثيف في الدورات التدريبية التي تنظمها “فريدوم هاوس” ومراكز حقوقية محلية مثل المركز المصري لحقوق السكن ومركز هشام مبارك للقانون، بهدف اكتساب خبرات تكتيكية في الحشد الميداني والتوثيق القانوني تحت مظلة حقوقية محمية دولياً، بعيداً عن الرصد الأمني المباشر لصفتهم التنظيمية الإخوانية.
إمبراطورية المال وإستراتيجية الإنهاك
وفي عمق ملف (KISL)، أفردت السفارة الأمريكية برقيات تحليلية دقيقة ركزت بالكامل على رصد وتتبع التدفقات المالية للتنظيم، وجاءت البرقية رقم 07CAIRO2844 لتسلط الضوء على شخصية خيرت الشاطر، نائب المرشد، خلال فترة توقيفه في قضية ميليشيات الأزهر عام 2007.
ووصفت التقارير الأمريكية الشاطر بأنه المرشد الفعلي، والمهندس الرأسمالي والتنظيمي الأقوى للجماعة، وحذرت البرقيات واشنطن من أن الإخوان تحولوا من مجرد تيار دعائي إلى كارتل اقتصادي مالي عابر للحدود، يمتلك قدرة فائقة على إدارة شبكة شركات وواجهات اقتصادية لتمويل عمليات سياسية ضخمة ومعقدة بعيداً عن الرقابة الرسمية للدولة، مع التوصية الأمريكية الضمنية بحماية هذه الاستثمارات من التحفظ المالي لضمان استمرار فاعلية التنظيم.
آليات تدريب الكوادر والنشطاء
وتتكامل الصورة السابقة مع البرقية رقم 06CAIRO4653 التي رصدت آليات تدريب الكوادر والنشطاء التابعين لحركة كفاية وبعض المراكز الحقوقية على استخدام الفضاء الإلكتروني والإعلام البديل كأدوات لكسر هيبة المؤسسات الأمنية وإضعاف شرعية الدولة الوطنية.
وتكشف البرقية رقم 09CAIRO1121 المصنفة تحت بند سري للغاية، كيف كانت الإدارة الأمريكية تتابع بدقة القوائم السوداء التي تضعها وزارات المجموعة السيادية في مصر للمنظمات والشخصيات التي تتلقى التمويل المباشر المشبوه من مبادرة الشراكة الشرق أوسطية (MEPI)، حيث كانت واشنطن تسعى جاهدة للالتفاف على هذه القوائم لضمان تدفق الأموال إلى عناصر الحراك الميداني.
الهدف الإستراتيجي
إن هذه السلسلة المتدفقة من البرقيات والمراسلات السرية تثبت بصورة قاطعة أن العقل الدبلوماسي الغربي أدار عملية هندسة فوضى متكاملة الأركان، حيث جرى التعامل مع النخب الليبرالية والواجهات المدنية كأدوات وظيفية مؤقتة لفتح الأبواب المغلقة وشرعنة التمويل، في حين كان الهدف الإستراتيجي النهائي هو تمكين ماكينة التنظيم الدولي للإخوان من الانقضاض على السلطة لحظة الفراغ الأمني الكبير، لولا يقظة المؤسسات الوطنية والهوية المصرية التي استعادت مسارها وصححت التاريخ.





