د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: الأسماء لا تصنع الأوطان

بيان

ليست القضية أن السيارة كُتب عليها Egypt بدلًا من مصر، فالأسماء لا تصنع الأوطان. لكن الرموز ليست بريئة، والمشاهد العامة ليست تفاصيل عابرة، بل لغة سياسية كاملة تُستخدم لتقديم تصور معين عن الدولة.
حين يعود منتخب وطني من كأس العالم، يفترض أن يكون الحدث مناسبة تستعيد فيها الأمة ذاتها، وأن يكون مسرح الاحتفال هو المكان الذي يشعر فيه المواطن العادي بأن هذا الانتصار يخصه.

أما عندما يُنقل المشهد إلى فضاء مختلف في رمزيته الاجتماعية والاقتصادية، وتُصاغ الصورة بلغة موجهة أكثر إلى العدسات منها إلى الناس، فإن السؤال يصبح مشروعًا: لمن يُصنع هذا المشهد؟ ولمن تُوجَّه رسالته؟
في علم السياسة، لا تحكم الدول بالقوانين وحدها، بل بالرموز أيضًا، فالسلطة لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تسعى إلى إنتاج صورة عن الواقع، وأحيانًا تصبح الصورة أهم من الواقع نفسه.

وعندما تتسع الفجوة بين ما يعيشه المواطن وما يراه على الشاشة، يبدأ الإحساس بأن هناك وطنًا يُعاش، ووطنًا آخر يُعرض.

وهنا تظهر الثنائية التي يتحدث عنها كثيرون: مصر بوصفها مجتمعًا حيًا بكل تناقضاته وأزماته وأحلامه، و Egypt بوصفها علامة بصرية مصممة للتسويق والإبهار، الأولى وطن المواطنين، والثانية وطن الكاميرات. الأولى تُقاس بجودة حياة الناس، والثانية بجودة اللقطة.
التاريخ يعلمنا أن الدول التي تنشغل بإدارة الصورة أكثر من معالجة الواقع، قد تنجح في كسب الإعجاب مؤقتًا، لكنها تخسر تدريجيًا أهم عناصر الشرعية: شعور المواطن بأنه جزء من الحكاية، لا مجرد متفرج عليها.
الوطن ليس ديكورًا، ولا مشروعًا للعلاقات العامة، ولا لوحة إعلانية.

الوطن هو ذلك العقد المعنوي الذي يجعل المواطن يرى نفسه في رموزه، ويسمع لغته في احتفالاته، ويشعر أن انتصاراته تُحتفل بها حيث يوجد الناس، لا حيث تبدو الصورة أجمل.
لذلك لم يكن الجدل حول كلمة Egypt، ولا حول مدينة بعينها، بل حول سؤال أعمق: هل تُصنع السياسة لخدمة المجتمع، أم يُعاد تشكيل المشهد ليخدم الصورة؟

لأن الدولة التي تنجح في إقناع العالم بصورة لا يراها مواطنوها في حياتهم اليومية، تكون قد صنعت رواية… لكنها لم تحل المشكلة التي أنتجت الحاجة إلى تلك الرواية.

طالع المزيد: د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: إصلاح التعليم الطبي في مصر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى