بركان أنتاركتيكا يطلق الذهب يوميًا في ظاهرة علمية نادرة

كتب: ياسين عبد العزيز

تتواصل الأبحاث العلمية في القارة القطبية الجنوبية حول جبل إيريبوس الذي يثبت كونه أحد أكثر البراكين نشاطًا في أقصى جنوب الكرة الأرضية، حيث يمتلك هذا الجبل الواقع في جزيرة روس ميزة جيولوجية نادرة تتمثل في وجود بحيرة من الحمم البركانية السائلة داخل فوهته.

اكتشاف بركان عملاق بأعماق المحيط الهادئ يثير اهتمام الدوائر العلمية

وتبين الدراسات المنشورة في مجلة Geophysical Research Letters أن هذا البركان يطلق جزيئات ذهب متبلورة ضمن الأعمدة الغازية المتصاعدة من فوهته، وتؤكد التقديرات العلمية أن البركان ينبعث منه حوالي 80 جرامًا من الذهب بشكل يومي، وهي كمية دقيقة للغاية لا تُرى بالعين المجردة.

وتنتشر هذه الجسيمات الدقيقة التي تأتي بحجم الميكرونات في الهواء على شكل غبار مجهري يصعب التعامل معه، مما يجعل من محاولات تجميع هذا الذهب أمرًا مستحيلًا تمامًا في ظل الظروف المناخية القاسية التي تشهدها تلك المنطقة القطبية المتجمدة طوال العام.

وتشير النتائج العلمية إلى أن القيمة الحقيقية وراء هذا البركان تكمن في أهميته البحثية وليست الاقتصادية، حيث يدرس العلماء هذه الظاهرة لفهم طبيعة انتقال العناصر الكيميائية من باطن الأرض ممثلة في الصهارة إلى الغلاف الجوي مباشرة عبر النشاط البركاني المتواصل.

وتوفر هذه العملية المعقدة بيانات جوهرية تساعد المتخصصين في فهم دور البراكين في دورة العناصر الكيميائية، بالإضافة إلى تأثيرها المباشر على المناخ والبيئة المحيطة، مما يجعل جبل إيريبوس بمثابة مختبر طبيعي استثنائي لدراسة ديناميكيات الصهارة والنشاط الجيولوجي.

وتعكس هذه الظاهرة حقيقة علمية مثبتة تتجاوز حدود الخيال العلمي، حيث يظل الإرث البحثي لهذا البركان هو المكتسب الأهم للعلماء، لما يقدمه من كشف لأسرار باطن الأرض وتفاعلاته العميقة مع الغلاف الجوي والمناخ في تلك البقعة النائية من العالم.

وتستمر مراقبة جبل إيريبوس باعتباره محطة أبحاث مركزية لفهم تأثير النشاط البركاني على الغطاء الجليدي، فضلًا عن التغيرات المناخية المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، مما يجعله نموذجًا فريدًا في سجلات علم البراكين العالمي الذي يسعى لربط مكونات باطن الأرض بالظواهر الجوية.

وتؤكد التقارير الجيولوجية أن هذا “بركان الذهب” لا يمثل وسيلة للثراء المادي كما قد يظن البعض، وإنما يمثل ظاهرة جيولوجية نادرة تثير شغف الباحثين، وتدفعهم لمواصلة الرصد والتحليل الدقيق للغازات المنبعثة لفهم المزيد عن كوكبنا الذي لا يزال يخفي الكثير من أسراره.

وتتجمع المعطيات حول هذا البركان الفريد لتشكل صورة واضحة عن العمليات الطبيعية التي لا تتوقف، حيث يبقى جبل إيريبوس شاهدًا على قوة الطبيعة، ومصدرًا دائمًا لبيانات علمية تسهم في تعزيز معرفتنا بكيفية تشكل وتفاعل المواد داخل القشرة الأرضية وصولًا إلى الغلاف الجوي.

وتظل هذه الجزيئات الذهبية الدقيقة التي تخرج من أعماق الأرض وتتلاشى في أجواء القارة المتجمدة بمثابة رسائل جيولوجية، يفكك العلماء طلاسمها يومًا بعد يوم، مؤكدين أن العلم هو السبيل الوحيد لتحويل هذه الظواهر من مجرد أخبار مثيرة إلى حقائق مفهومة تدعم مسيرة البحث العلمي الإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى