“ممر داوود” مشروع صهيونى.. خطوة فى الطريق إلى “إسرائيل الكبرى”
بيان
في ظل تصاعد التنافس على الممرات الاقتصادية الإقليمية والدولية، برز مشروع إسرائيلي مثير للجدل يحمل اسم “ممر داوود”، يبدو في ظاهره مبادرة تنموية، لكنه في جوهره يشكل أداة جيوسياسية خطيرة تسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
ممر خفي وراء عناوين براقة
ونشر موقع “إندكس .. وكالة الأنباء المصرية” نقلا عن وكالة “سبيشال يوراسيا” المتخصصة في الدراسات الجيوسياسية، عرضا وافيا للدراسة جاء فيها أن “ممر داوود” يمتد من هضبة الجولان المحتلة، مرورًا بجنوب سوريا (القنيطرة، درعا، السويداء)، ثم عبر البادية السورية حيث تقع قاعدة التنف الأمريكية، وصولًا إلى شمال شرق سوريا وإقليم كردستان العراق.
وأوضح تقرير “إندكس” أن هذا الامتداد الجغرافي، وإن لم يُعلن عنه رسميًا، إلا أن التحركات الإسرائيلية على الأرض — من تكثيف الغارات الجوية في الجنوب السوري إلى الأنشطة الميدانية في دير الزور — تكشف عن مسار تنفيذي يجري بصمت وبعيداً عن الأضواء الإعلامية.
حلقة في مشروع أكبر
يرى محللون أن “ممر داوود” ليس مشروعًا منفصلًا، بل هو جزء من منظومة أوسع تشمل ممرات أخرى مثل “نتساريم” في غزة و”فيلادلفيا” على الحدود المصرية.
هذه المشاريع يُعتقد أنها تسير ضمن رؤية “إسرائيل الكبرى”، التي تمتد من النيل إلى الفرات، وهي الفكرة التي طرحها مؤسس الصهيونية ثيودور هرتزل، وتحدث عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحةً في مقابلة تلفزيونية عام 2024، مؤكدًا أنه “في مهمة تاريخية وروحية مرتبطة بعاطفته تجاه هذه الرؤية التوسعية”.
أبعاد استراتيجية متعددة
بحسب دراسة “سبيشال يوراسيا”، يخدم “ممر داوود” أربع غايات مترابطة:
-
أمنيًا: يهدف إلى قطع “شريان الإمداد الإيراني” الممتد من طهران إلى حزب الله في لبنان عبر الأراضي السورية. وتندرج الغارات الإسرائيلية المكثفة على مناطق مثل السويداء ودرعا ضمن هذا الهدف.
-
اقتصاديًا: يسعى الممر للسيطرة على موارد استراتيجية، منها مياه دجلة والفرات، بالإضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة في الرقة ودير الزور، التي تُنتج كميات ضخمة من القمح. كما يُنظر إليه كجزء من شبكة مترابطة مع مشاريع دولية مثل “الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي” الذي ترعاه الولايات المتحدة.
-
سياسيًا وديموغرافيًا: يدعم المشروع سيناريو تفتيت سوريا إلى كيانات عرقية وطائفية (كردية ودرزية)، ما يُضعف الحكومة المركزية في دمشق ويفتح المجال أمام إعادة هندسة التوازنات السكانية بما يخدم مصالح إسرائيل.
-
جيواستراتيجيًا: يُعتقد أن الممر يمهد لربط إسرائيل بمبادرة IPEF الاقتصادية بقيادة واشنطن، ما يتيح لها فرصًا واسعة في التجارة والتكنولوجيا والتحالفات مع قوى آسيوية كبرى كالهند، واليابان، وكوريا الجنوبية.
انعكاسات خطيرة على الأمن الإقليمي
تنفيذ مشروع بحجم “ممر داوود” لن يمر دون عواقب جسيمة على أمن المنطقة.
فهو يهدد وحدة الأراضي السورية والعراقية، ويمسّ النفوذ الإيراني في الشام، ويشكل خطرًا وجوديًا على تركيا، التي ترى في أي محاولة لتعزيز استقلال الأكراد تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وفي هذا السياق، لم يتردد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في اتهام إسرائيل بالسعي إلى تقسيم سوريا، ولوّح باحتمالية التدخل العسكري في حال تطور الأمر.
أما بالنسبة لحزب الله، فإن قطع طريق الإمداد البري من إيران عبر سوريا قد يُحدث تحولاً في موازين القوة بجنوب لبنان، ويفتح الباب أمام مواجهة جديدة في أي لحظة.
كما أن السيطرة على موارد الغذاء والمياه في شرق سوريا من شأنها أن تعمق الأزمات الإنسانية وتُضاعف الاعتماد على المساعدات الخارجية.
إلى جانب ذلك، فإن تعطيل طرق التجارة التقليدية بين تركيا ودول الخليج قد يُلحق ضررًا اقتصاديًا كبيرًا بأنقرة، ويفتح المجال لنشوء بؤر صراع جديدة بين قوى إقليمية كبرى.
معارضة إقليمية ومحلية متصاعدة
في مواجهة هذا المشروع، تتجمع أطراف إقليمية فاعلة مثل إيران، تركيا، وروسيا، التي تمتلك أدوات ضغط قوية تبدأ من الدعم العسكري والمالي لحلفائها المحليين، وصولًا إلى التأثير الدبلوماسي في المحافل الدولية.
أما على الأرض، فتشكل المقاومة الشعبية في الجنوب السوري عائقًا مهمًا أمام التمدد الإسرائيلي، إذ يرفض السكان المحليون أي مسعى لتغيير هويتهم الوطنية أو تمزيق بلادهم.
تحديات إسرائيلية داخلية وخارجية
ورغم الطموح الإسرائيلي، فإن الواقع على الأرض يُظهر أن المشروع أكثر تعقيدًا من أن يُنفَّذ بسهولة.
فالجيش الإسرائيلي موزع على جبهات متعددة — من غزة والضفة إلى لبنان واليمن — ما يحدّ من قدرته على فرض أمر واقع جديد في سوريا.
كما أن البنية الديموغرافية المعقدة في سوريا تجعل من الصعب ضمان ولاءات محلية دائمة، خاصة في ظل التوترات العرقية والطائفية.
المستقبل الغامض: بين الطموح والارتداد
“ممر داوود” يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يبقى مجرد رؤية طموحة داخل عقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، أو أن يتحول إلى أخطر مشروع جيوسياسي شهدته منطقة المشرق منذ عقود، في حال فشل المجتمع الدولي والإقليمي في وقفه.
وفي حال تحقق المشروع — لا قدر الله — فإن السيناريو الأسوأ قد يتمثل في تفكك الدولة السورية إلى كيانات مستقلة، منها دولة علوية في الساحل، توسع كردي يطال كامل شرق سوريا، وربما مطالبات تركية بضم حلب وإدلب، ما يترك دمشق محاصرة في دولة ضعيفة تفتقر إلى الموانئ والموارد الحيوية.
المخاطر المباشرة على سوريا
إذا ما نُفذ المشروع، فستكون سوريا الخاسر الأكبر، حيث يُتوقع أن يترتب عليه:
-
فقدان السيادة على محافظتي درعا والسويداء.
-
تسريع تفتيت الدولة إلى كيانات متنازعة.
-
تعميق التدخلات الأجنبية السياسية والعسكرية والاقتصادية.
-
حرمان الشعب السوري من أية عوائد اقتصادية حقيقية، كما حدث في تجارب سابقة مع المشاريع الغربية.
وأخيرا فأن “ممر داوود” ليس مجرد خط اقتصادي أو جغرافي، بل مشروع تفكيكي بامتياز، يُهدد وحدة شعوب ودول المشرق، ويعيد تشكيل التحالفات على أسس صراعية جديدة.فهل يتوقف عند حدود الطموح الإسرائيلي؟ أم أنه بالفعل يُشعل شرارة صراع طويل الأمد في قلب الشرق الأوسط؟
……………………………………………………………………………………………………………….
رابط مصدر الموضوع:
https://indexena.com/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%da%86%d9%8a%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%af%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%ae%d8%b7%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7/





