عن الناقد أنور المعدواى وعصره

سردية يكتبها: محمد سليمان
الحديث عن أنور المعداوي حديث ذو شجون، فهو أحد أعظم نقاد الأدب الذين عرفهم الوطن العربي.
ذاك الناقد الذي توفي متأثرًا بمرض ارتفاع ضغط الدم، نتيجة ما عاناه من محنة عصره؛ من محاباةٍ للصغار، وتجاهلٍ للقامات، وطردٍ لأهل الخبرة، وتقديمٍ لأهل الحظوة والثقة.
في الثالث من مايو عام 1920، وُلد أنور المعداوي في قرية “معدية المهدي” التابعة لمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، ليكون أحد أعظم نقاد الأدب العربي في العصر الحديث.
يقول الكاتب الساخر محمود السعدني في كتابه الشيق مسافر على الرصيف عن المعداوي:
“إن مصر لم تُنجب ناقدًا من طرازه إلا بعددٍ أقل من أصابع اليد الواحدة.”
كان المعداوي قارئًا نهمًا، شغوفًا بعالم الكتب، وبالصالونات والندوات الأدبية المنتشرة في ذلك الوقت، مثل صالون العقاد، وصالون طه حسين، وندوة الشيخ أمين الخولي، وندوة قهوة عبدالله.
ولعل هذه الصالونات كانت من أهم العوامل التي صقلت موهبته النقدية العظيمة.
فعلى قهوة الكمال بالجيزة، المشهورة باسم صاحبها محمد عبدالله، والتي خلدها الأدب العربي الحديث لشهرة روادها، كان يجلس أنور المعداوي بصحبة محمود السعدني، وعبدالحميد قطامش، وزكريا الحجاوي، وعبدالرحمن الخميسي، وعبدالقادر القط، ونزار قباني، وغيرهم.
وفي تلك القهوة، وبين تلك الصحبة، كانت تدور المناقشات والمساجلات في شتى دروب الثقافة: الأدب، الموسيقى، التاريخ، السياسة، الفلكلور، وحتى النكتة.
ولو قُدّر وسُجِّلت تلك الحوارات لكانت سِفرًا عظيمًا من أسفار الأدب العربي.
وفي رأيي أن “قهوة عبدالله” كان لها أثر كبير في حياة المعداوي، إذ كانت تجمع حوله نخبة من ألمع المثقفين والأدباء. ويكفي أن نذكر قول السعدني في مسافر على الرصيف:
“إنهم نماذج لن تتكرر، وشخصيات كان يكفي أن تأتي واحدة منها في كل عصر لتزينه وتبهجه وتنشر فيه النور والضياء والبهاء.”
يذكر الكاتب الكبير رجاء النقاش في كتابه بين المعداوي وفدوى طوقان: صفحات مجهولة في الأدب العربي المعاصر أن الفترة من 1948 إلى 1952 كانت مرحلة ازدهار المعداوي، حيث كان خلالها الناقد الأول في العالم العربي رغم حداثة سنه.
وبعد قيام ثورة يوليو 1952، وتحوّل النظام إلى الجمهورية، تولى ضباط الجيش رئاسة بعض المؤسسات الثقافية والصحفية.
ويروي الدكتور علي شلش في كتابه أنور المعداوي أن المعداوي، الذي آثر المراقبة السلبية تجاه النظام الجديد، لم يجد لنفسه مكانًا في تلك الحياة الثقافية الجديدة.
ولم يستسغ المعداوي تلك المحنة التي تمر بها البلاد من تهميش لأهل الخبرة والكفاءة وتقديم لأهل الحظوة، خاصة في مجال الثقافة والأدب، فهاجم بشجاعة رؤوس تلك المؤسسات، وكان من أبرز من انتقدهم الكاتب يوسف السباعي، الذي كان ضابطًا بالجيش وتولى رئاسة مجلة الرسالة الجديدة.
ترك المعداوي لنا ثلاثة كتب وعددًا كبيرًا من المقالات والرسائل، إلى جانب نظريته الأدبية الشهيرة:
نماذج فنية من الأدب والنقد
علي محمود طه: الشاعر والإنسان
كلمات في الأدب
كما كتب العديد من المقالات تحت عنوان “تعقيبات” في مجلة الرسالة التي كان يرأس تحريرها الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيات.
أما رسائله، فأشهرها تلك التي كتبها إلى الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، محبوبته، والتي عدّها الدكتور علي شلش بمثابة “كتاب رابع” لأنور المعداوي، لما تحمله من عمق إنساني وأدبي رفيع. وقد جمعها وعلّق عليها رجاء النقاش في كتابه الممتع بين المعداوي وفدوى طوقان: صفحات مجهولة في الأدب العربي المعاصر.
أما نظريته الأدبية فهي نظرية الأداء النفسي، التي تقوم على أن جوهر الأدب والفن هو الشعور والوجدان، وأن خلو الأعمال الأدبية والفنية منهما يجعلها مجرد قوالب صماء لا روح فيها.
وكما قال الشيخ الأكبر ابن عربي:
“كل شيء بلا روح لا يُعوّل عليه.”
يشرح أنور المعداوي في كتابه كلمات في الأدب نظريته بقوله:
“إن فهم الحياة هو أن تفتح لمشاهدها أبواب العقل، أما تذوق الحياة فهو أن تفتح لتجاربها أبواب الشعور. إننا نراها هناك تحت شعاع الومضة الذهنية، ولكننا نتلقاها هنا تحت تأثير الدفقة الوجدانية. وعلى مدار هذه الكلمات نستطيع أن ننظر إلى كل عملٍ يمتّ إلى الفن بسببٍ من الأسباب.”
أسأل نفسي: كيف لشاب يتخرج من الجامعة ليصبح أهم ناقد عربي وهو في السابعة والعشرين من عمره؟
يقول البعض إن ظهور المعداوي كأهم ناقد في تلك الفترة ما بين عام 1947 و1952 يرجع أساسًا إلى خلو الساحة الأدبية آنذاك، بسبب سفر الناقد سيد قطب إلى أمريكا وانشغاله بالسياسة، وكذلك انشغال العقاد وطه حسين ومحمد مندور بالشأن العام وأمور أخرى.
لكنني أرى أن مقالات المعداوي في مجلة الرسالة تثبت أننا أمام ناقدٍ من طرازٍ استثنائي وفريد.
ويرجع تميّز المعداوي إلى عدة أسباب، أبرزها:
كثرة قراءاته، خاصة في كتب النقد الغربي المترجم.
كثرة ارتياده للصالونات والندوات الأدبية.
البركة في عمره القصير، رغم وفاته وهو في الخامسة والأربعين.
معاناته وآلامه العميقة.
فيمكن تلخيص قصة المعداوي بأنها حياة مليئة بالآلام والمحن: بين محنة وظيفته في وزارة المعارف وفصله منها، ومحنة العشق بحبه لفتاة تُدعى سعاد، ثم عشقه للشاعرة فدوى طوقان وفشله في حياته العاطفية، إلى محنة عصره التي تجلت في المحاباة وتجاهل الدولة له رغم مكانته كأهم ناقد أدبي عربي آنذاك، ثم محنة المرض.
ومن رحم تلك الآلام وُلد نضج المعداوي الإبداعي. وكما قال أحد مفكري الغرب:
“لا شيء يجعلنا عظماء غير ألمٍ عظيم.”
لقد ظلمت الحياة المعداوي، وتكاثفت عليه الآلام والمحن، لنحظى نحن بناقدٍ استثنائي كان يؤمن بأن الألم والمعاناة يمنحان الفن عمقًا راقيًا.
ففي رسالته الثالثة إلى محبوبته فدوى طوقان، يقول لها: “ترى، لولا أن احترق شعركِ يا فدوى في وَقدة العذاب، هل كنتِ تستطيعين أن تقدّمي إلينا مثل هذا الشعر؟ صدقيني، إن الحياة ظلمتكِ لتنصف الفن، فنّكِ هذا الذي يذكّرني بالذهب، حيث لا يصفو معدنه إلا وهو معرّض لوهج النار.”
بعد تلك الرحلة المليئة بأوجاع الألم والمحن، رحل أنور المعداوي عام 1965، واستمر مسلسل التجاهل لتراثه النقدي العظيم.
فرغم أن الدولة منحته جائزة الدولة التشجيعية في الأدب بعد وفاته، فإنها لم تهتم بنشر كتبه ولا بجمع مقالاته الكثيرة، رغم أنها فعلت ذلك مع من هم أقل قيمة أدبية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل سنرى اليوم الذي تقوم فيه الهيئة المصرية العامة للكتاب بنشر هذا الكنز الأدبي والنقدي المطمور، وإعادة طباعة كتابه علي محمود طه: الشاعر والإنسان، وجمع مقالاته الكثيرة من المجلات الأدبية، وخاصة مجلة الرسالة، في مؤلَّفٍ جامعٍ يليق بمكانته؟
في النهاية، هذه مجرد خطوط عريضة من سيرة أنور المعداوي، وسيرة وطنٍ حزينٍ ظلم أبناءه المبدعين.
ومن أراد الاستزادة، فعليه بمطالعة هذه الكتب الممتعة:
1- مسافر على الرصيف — للكاتب الساخر العظيم محمود السعدني.
2- بين المعداوي وفدوى طوقان: صفحات مجهولة في الأدب العربي المعاصر — رجاء النقاش.
3- أنور المعداوي — الدكتور علي شلش.
4- الأداء النفسي بين التذوق الفني والالتزام: دراسة في منهج أنور المعداوي النقدي — الدكتورة فريدة المصري.
5- كلمات في الأدب — أنور المعداوي.
نرشج لك:





