د. سليم الخراط يكتب: أولًا كانت وأخيرًا ستكون.. فلسطين

 قضية أمة العروبة والإسلام الغائبة الحاضرة.. كانت وستبقى..!!

بيان

قراءة في أرشيف مراجعة الواقع السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط.. ماذا قدّم اتفاق أوسلو فعليًا..!!؟

ما أقدمه لكم هو قراءة لواقع المنطقة وفلسطين بقلم مناضل عربي قومي يحمل قضية أمته وعروبته وإسلامه؛ فلسطين أمّ القضايا في كل مكان وزمان، والتاريخ يشهد..

كل ما جرى ويجري اليوم وحتى الآن نتيجة حتمية للواقع المنتظر الذي يمهد لانتصار الكيان الصهيوني على كل أمتنا العربية والإسلامية التي انتصرت في تحقيق سياسات التطبيع مع معظم الأنظمة العربية والإسلامية..!!

إن وضع المعارك لا يُبشّر كثيرًا لا للأمريكي ولا حتى للإسرائيلي..!!

الأمريكي في مأزق كبير، وحلفاء أمريكا في المنطقة يصرخون ويطالبون بوقف الحرب، وإسرائيل مستعدة لتحمل الخسائر شرط التخلص من نظام طهران، ومتخوفة من ذهاب الأمريكي إلى اتجاه غير متوقع، لذلك تريد إنجازًا واضحًا في جبهة الشمال “جنوب لبنان” ليستخدمه نتنياهو انتخابيًا قبل أي شيء آخر..!!

لذلك لنعد ونعي الحقيقة، نعود إلى الوراء حين وُقّع اتفاق أوسلو عام 1993، حينها قيل لنا إنه بوابة صناعة الدولة، وبداية إنهاء الاحتلال، وبداية تحقيق السلام..!!

لكن الحقيقة والواقع، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أن الأرقام على الأرض لا تحتاج إلى خطابة..!!

عام 1993 كان عدد المستوطنين في الضفة نحو 100 ألف..
اليوم تجاوزوا نصف مليون..

هذا وحده كافٍ ليسأل أي عاقل: ماذا قدّم اتفاق أوسلو..!!؟

لقد قدّم اعترافًا فلسطينيًا رسميًا بإسرائيل، مقابل “وعود” بدولة مؤجلة إلى مفاوضات الوضع النهائي..

قدّم سلطة حاكمة بلا سيادة، وحدودًا بلا سيطرة، واقتصادًا مربوطًا باحتلال يتحكم بالمياه والمعابر والهواء..!!

قدّم تنسيقًا أمنيًا مستمرًا، فيما تمدد الاستيطان بلا توقف..!!

قيل إن أوسلو سيجمّد الاستيطان..!!؟

لكن الوقائع تقول إن الاستيطان تضاعف مرات عدة بعده، مسيطرًا على المزيد من اغتصاب الأراضي الفلسطينية لبناء مستوطنات الكيان الصهيوني..

قيل إنه سيقود إلى حل الدولتين..

لكن الخرائط اليوم تُظهر أراضي مقطعة الأوصال، وجزرًا معزولة تحاصرها الكتل الاستيطانية..

الحقيقة المؤلمة أن أوسلو حوّل الصراع من صراع تحرر وطني واضح المعالم إلى إدارة أزمة مفتوحة..!!

أجّل القضايا الكبرى: القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات..

ومع كل تأجيل، كانت الجرافات تعمل أسرع من طاولات التفاوض..!!

هذا ليس خطاب غضب، بل قراءة نتائج لمنطق الواقع وتحليل نتائجه من خلال تأكيد التالي:

تضاعف المستوطنين..

توسعت الطرق الالتفافية..

ترسخت السيطرة الميدانية..

وتآكل أفق الدولة الموعودة..

الاتفاقات إن كانت مبنية على تفاهمات متبادلة تعتمد احترام الآخر تُقاس بنتائجها، لا بنياتها..!!

والنتيجة بعد ثلاثين عامًا نراها واقعًا وحقيقة ملموسة: احتلال أكثر رسوخًا، واستيطان أوسع، وواقع أصعب..!!

حقيقة نحن في زمن الانكسارات العربية، حيث أصبحت بعض الأصوات تحتفل بدمار الصديق وكأنها تنتقم من خصم شخصي، متناسية أن العدو الحقيقي هو الاحتلال الصهيوني.. هؤلاء يرفعون شعار “اضرب الظالمين بالظالمين”، وكأن القضية الفلسطينية يمكن أن تُختزل في مثل شعبي فارغ، بينما الحقيقة أن الموقف لا يقبل الحياد: إما أن تكون ضد الاحتلال، أو أن تكون في صفه..

كل من يفرح ويحتفل بانتصار الاحتلال على أي حليف أو صديق، وهو يعلم أن الاحتلال الصهيوني هو المستفيد الأول من أي ضعف يصيب من يقف في وجهه من أي طرف كان.. من يحتفل بانتصار العدو الذي يقتل الفلسطينيين ويهدم بيوتهم ويصادر أرضهم، هو مشارك في إضعاف جبهة المقاومة، حتى لو ادّعى أصحابه أنهم “محايدون”..

العرب في غياب وتيه، تراهم سكارى وما هم بسكارى، وهم من كان يجب أن يكونوا السند ولكنهم تبنّوا سياسة القطيع.. فمنذ عقود لم يجد الفلسطيني دعمًا حقيقيًا من محيطه العربي، فكثير من الأنظمة تخلّت عن القضية وفضّلت السير وراء سياسات القطيع، بينما بقي الفلسطيني وحيدًا في مواجهة الاحتلال..

وعندما وجد بعض الفلسطينيين سندًا أو دعمًا من صديق أو حليف، خرجت أصوات عربية لتلومهم، وكأنها كانت هي التي تقدم الدعم وتتحمل عبء المقاومة.. بينما الحقيقة أن العرب باعوا القضية، ثم يلومون الفلسطيني لأنه لم يجد حليفًا يقف إلى جانب حقه المشروع سوى دول الصمود بالأمس، ودول محور المقاومة اليوم، وإيران التي تمد له يد العون رغم كل ممارساتها وأخطائها في منطقة الشرق الأوسط، وفي سوريا ولبنان تحديدًا، لتنفيذ سياسات مشروعها الخاص..!!

لكن كان ذلك بالأمس.. أما اليوم وفي مستقبل الأيام فلا حياد في مواجهة الاحتلال، لأن المعادلة بسيطة: إما أن تكون ضد الاحتلال، أو أن تكون معه.. هنا القضية ليست نزاعًا بين دولتين، بل هي وجود شعب كامل مهدد بالاقتلاع.. من يختبئ وراء الحياد يختار عمليًا أن يقف في صف الاحتلال، حتى لو لم يعترف بذلك صراحة..

الفلسطيني صوت الحقيقة في زمن التزييف..

الفلسطيني الذي يذكّر العرب أن العدو هو الاحتلال، لا يفعل ذلك من باب العناد بل من باب البقاء.. نحن لم نطلب منكم المستحيل، بل فقط ألا تحتفلوا بانتصار عدونا.. أن لا تبيعوا دماء شهدائنا في سوق السياسة الرخيصة.. أن لا ترفعوا شعارات فارغة بينما أنتم تفتحون أبواب التطبيع على مصراعيها..

البوصلة كانت وستعود نحو فلسطين..

فالقضية الفلسطينية ليست أي شيء ولا شعارًا..!! إنها معيار الأخلاق والكرامة في هذه المنطقة.. فكل من يفرح بدمار أمتنا وعروبتنا وإسلامنا يفرح بانتصار الاحتلال.. ومن يرفع شعار “اضرب الظالمين بالظالمين” يختار أن يضع نفسه خارج معسكر المقاومة.. البوصلة واضحة: فلسطين هي القضية، والاحتلال هو العدو.. وكل ما عدا ذلك ضياع وتيه..!!

السؤال اليوم ليس من يلوم من..!!

بل السؤال: هل نستمر في الرهان على المسار ذاته رغم ما أفرزه..!!؟

أم نمتلك شجاعة المراجعة الحقيقية مع الذات والواقع لنقرّ بأخطائنا ونتخلى عن نرجسيتنا وأنانيتنا وحب أنفسنا والتعالي على شعبنا بفوقياتنا المصطنعة..!!؟

لأن أخطر ما في السياسة ليس الخطأ.. بل الاستمرار في تكرار الخطأ..!!

بل الأكبر من ذلك هو الإصرار عليه بعد أن تتضح نتائجه ولا نتعلم منه..!!

طالع المزيد:

د. سليم الخراط يكتب: الطبول تقرع منذرة أن العالم على حافة الهاوية

زر الذهاب إلى الأعلى