عاطف عبد الغنى يكتب: من حسني إلى عيسى.. غزوات الحجاب

بيان

(1)

قبل ربع قرن تقريبا، كان عندنا وزير ثقافة “مزمن” اسمه فاروق حسني، ده اللي دعا المصريين للاحتفال بذكرى المئوية الثانية للحملة الفرنسية على مصر، لأنها عرفتنا المطبعة حسب زعمه، وهيّج الوزير المصريين بدعوته الفجة! وأنا رددت عليه وقتها (ضمن من رد) بموضوع في مجلة “أكتوبر” اعتمدت فيه على دراسات تاريخية أثبتت فظائع حملة بونابرت الاستعمارية، وليس أقلها انتهاك محارم المصريين، واغتصاب النساء، وقتل الرجال، واقتحام المساجد.

لكن حسني – الذى كان يعرض لوحاته “السريالية” ويبيعها في فرنسا ومتاحفها- بعد ما أصبح وزير ثقافة، كان هو عرّاب إهداء قطع من آثارنا للمسؤولين الفرنسيين، وعشت وشفت ثورة الرفض من المثقفين المصريين، وكان على رأسهم الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي لما صدر قرار توزير فاروق حسني وما دار حوله من لغط..

لكن حسني جمع رموزاً من مثقفي مصر في جلسة “شربّهم فيها شاي بالياسمين”، وخرجوا مبسوطين! وظل هو على رأس جهاز الثقافة المصري لمدة قاربت ربع القرن، انتهت – أيضاً – بثورة خلعت الوزير الذي كانت تحميه “الهانم”، وبالطبع “الراجل الكبير” كان مطمئناً عليها وهي معه!

ولا أذكر من تاريخ حسني إلا إنجازاته العظيمة في محاربة الحجاب، وكراهيته له وللمحجبات هو والهانم، وقد رصدتُ بعض من هذه المعارك وحللتها من المنظور الغربي للحجاب وأنا أعمل في إنجاز بحثي عن “عولمة الدين”، متذكراً عناوين بعض المجلات الغربية مثل “التايم على ما أتذكر” وكان: “قطعة القماش الصغيرة” التي تغطي الرأس.. يا جماعة هي “قطعة” القماش دي مضايقاكم في إيه؟!

في هذا العهد البائد، كانت الهانم لا تقبل أن يغطي أنشطتها صحفية محجبة، وبالطبع لا مذيعة ولا إعلامية، وفي التلفزيون، حصلت عدد من المذيعات على حكم قضائي يقتضي بعدم منعهن من الظهور على الشاشة بالحجاب، وذهبت (أظن ثلاث) من  المذيعات بالحكم إلى رئيسة التلفزيون يقدمن صيغته، فما كان من الأخيرة إلا أن قامت من جلستها خلف مكتبها، واستدارت نحوهن وانهالت عليهن ضرباً وسباباً، وخلعت عنهن حجابهن عنوة!

ذهب حسني، وذهبت رئيسة التلفزيون، وانتصرت المحجبات من المذيعات، وأثبتن أن “قطعة القماش الصغيرة” لم تعق تفوقهن وإثبات حضورهن الراقى، ولكم في الإعلامية دعاء عبد الرحمن المثل البارز والملهم.

(2)

ولأن الأخ إبراهيم عيسى “قاعد للسقطة واللقطة”، فسرعان ما دخل على خط “واقعة المحامية لؤة خلف” وأدلى بدلوه، فأفاض علينا ببركاته، وزادنا من نور فيوضات علمه، فقال عبر يوتيوب موزعاً “الشويتين اللي بياكل منهم جاتوه”:

“إن واقعة المحامية لؤة خلف وما تعرضت له بسبب ملابسها ومحاولة إلزامها بارتداء الحجاب، تمثل أزمة تتكرر داخل المجتمع المصري، خاصة فيما يتعلق بالمرأة.. إن قضية الحجاب تشهد خلافاً فقهياً مستمراً، وإنه لا يوجد إجماع فقهي كامل حول فرضيته، وأن ما يثار بشأن وجود اتفاق تام على وجوبه غير دقيق.. إن النص القرآني لم يذكر الحجاب بوصفه غطاء لرأس المرأة، وأن الفتاوى والاجتهادات الدينية لا تلزم جميع الأشخاص، وأن لكل فرد حرية اختيار ما يراه مناسباً.”

سكت بعد كده؟! لأ ما يسكتش.. أُمال هيولعها إزاي؟! إلا أن يستصرخ نقابة المحامين، والمجلس القومي للمرأة، والجهات المعنية بحقوق الإنسان، ويزيد من “الردح” بيتاً مؤكداً أن ردود الأفعال كانت ستختلف حال تعرض امرأة محجبة للمنع من دخول مؤسسة أو مرفق عام!

والله قضية الحجاب وفرضيته لا تحتمل الدخول مع عيسى فى جدل فقهى.. ولا تشغل إلا من يسعون لتعكير الماء للاصطياد من أمثاله، أما السواد الأعظم من المصريين فتشغلهم أمور أخرى، والناس لم تعد تحتمل هذه المعارك الوهمية! الشارع المصري صار يتقبل كل أشكال الألبسة، للرجال والنساء؛ من النقاب والحجاب، إلى “الجينز الممزق” وعاريات البطن والكتف.

وبالمناسبة.. ما تعمل لنا يا أخ عيسى حلقة تعرّفنا فيها رأي الفقه “المختلف عليه” في اللباس.. العاري؟!

 طالع المزيد: عاطف عبد الغنى يكتب: ما تخفيه أقنعة التنوير من جهل وتزوير.. (1) المستشرقون العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى