عاطف عبد الغنى يكتب: كاهن اليسار يقرأ على الناس تاريخ الجاهلية بالمقلوب!
الجاهلية عند قريش والعرب قبل البعثة المحمدية.. المفهوم والواقع التاريخي
بيان
لا شك أن دراسة مرحلة “الجاهلية” تمثل حجر الزاوية في فهم المعجزة الوجودية للإسلام؛ فهي البيئة الحاضنة التي سبقت البعثة المحمدية، وفيها نزل القرآن الكريم ليحدث ذلك الزلزال الديني والاجتماعي والحضاري الذي نقل العرب من تيه الصحراء إلى قيادة العالم فيما يشبه المعجزة.
غير أن آفة عصرنا هي تلك “القرود الفكرية” التي تقفز على جدران التاريخ دون علم ولا منهج، وعلى رأسهم “شلة المناوشين والمحكوكين” في أمور الدنيا والدين، هؤلاء الذين يتجرأون بنزق وغرور صبياني على الفقه، والشريعة، والسنة، والسيرة، والرواة، والصحابة، دون أن يدرسوا علماً واحداً من علوم الدين.
ويفتشون كالكهنة الذين سبقوهم في الكتب الصفراء لينسجوا من أساطيرها حكاياتٍ تدهش العامة والدهماء من أتباعهم، أو يقرؤون التاريخ “بالمقلوب”، مقتفين أثر كُهّانهم الذين علّموهم السحر.
واحد من “الكُّهان”
هو محامٍ يساري (وما أدراك ما اليسار في بلادنا!)، لم يحصل على ماجستير ولا دكتوراه لا في الشريعة ولا التاريخ ولا غيرهما، ولكنه كان -للأمانة- أكثر موهبة في امتلاك أدوات اللغة، وأوسع ثقافة وخبثاً من تلاميذه المعاصرين الذين اقتاتوا – أمس واليوم ـ على “فضلات” أطروحاته عن الجهالة الدينية عند العرب قبل الإسلام، ولم يكن طرحه إلا التفافاً خبيثاً ليخلص في النهاية إلى نتيجة مسمومة مفادها: أن الإسلام ليس وحياً إلهياً خالصاً، بل هو مجرد “نسخة محدثة” من طقوس وثقافة قريش الجاهلية!.
ما سلف من نتيجة هو ما خلصت إليه من إنتاج خليل عبد الكريم عندما قرأت له فى صدر شبابى كتابه: “الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية”، ويأتى اليوم د. يوسف زيدان ليعزف على نفس اللحن (المسروق من عبد الكريم)، بتوزيع جديد لكن ردىء ونشاز لايطرب ولا يشجى إلا المتوهمين، والذين فى قلوبهم مرض.
مفهوم “الجاهلية”.. سَفه السلوك لا خلوّ الأبجدية
وسوف نعود لـ “خلبل بالتفصيل” لكن دعونا نعرف شيئا أو ننشط الذاكرة عن الجاهلية عند قريش والعرب قبل البعثة المحمدية.. من حيث المفهوم والواقع التاريخي.
صفة “الجهل” في المتواتر عن حقبة ما قبل الإسلام، لم تكن يوماً مرادفة للأمية أو الجهل بالقراءة والكتابة والعلوم المادية؛ بل تعنى اصطلاحا السفه والطيش والانحراف عن الهدي الإلهي.
وكما يذكر الدكتور جواد علي في “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، فإن المصطلح جاء لوصف الحقبة السابقة من منظور ديني وأخلاقي، لا للحكم على كل مظاهر الحياة بأنها كانت خالية من المنجزات.
نعم، كانت قريش قبيلة قوية، مهابة الجانب، تدير إمبراطورية تجارية عبر رحلتي الشتاء والصيف، وكانت لديها أسواق أدبية كعكاظ ومجنة، وعرف عرب الجزيرة الفصاحة والبلاغة والشعر، وحافظوا على بعض الفضائل الإنسانية كالكرم، وإغاثة الملهوف، والوفاء بالعهد، وحماية الجار، بل وتحالفوا على نصرة المظلوم في “حلف الفضول” الذي أثنى عليه الرسول ﷺ.
السؤال والإجابة
ولكن.. هل يعفي هذا كله قريشاً من وصمة “الجهالة الدينية والقيمية (فى بعض جوانبها)”؟
ما سبق هو ما سعى إلي تمريره كاهن اليسار، ومن بعده تلاميذه الصغار، سعوا إلى أن نستصغر الإسلام ومنهجه وتشريعه لصالح حقبة الجاهلية، ولن يكون هذا إلا بغض الطرف عن الكوارث البنيوية التي كانت تنهش ذلك المجتمع، أو كما أراد عبد الكريم ترسيخه فى العقول من أن “الجاهلية” كانت بروفة للإسلام، أو ما شابه ذلك.
والمطلوب بعد ذلك أن يبصم المتلقى معهم على أن الجاهليين كانوا ملائكة يمهدون لنسخة “الإسلام المحدثة”!.. ولا نسأل كيف يستقيم هذا التزييف والتنظير الأعرج أمام الممارسات التي جاء الإسلام ليدك حصونها دكاً؟
والسؤال:
أين كانت عقولهم وهم يسجدون لقطع الحجارة والخشب (هبل واللات والعزى) يرجون شفاعتها؟
وأين كانت إنسانيتهم ونظام الرق والطبقية يستعبد البشر، و”وأد البنات” يدفن الطفولة حية في التراب لمجرد خشية الفقر أو العار؟
وأين كان رشدهم والعصبية القبلية العمياء تفني قبائل بأكملها في حروب عبثية من أجل ناقة أو فرس كما في “البسوس” و”داحس والغبراء”؟
ضربة الوعي القاضية
إن الإسلام العظيم – لا شك – لم يأتِ ليرفض الجميل من أخلاق العرب؛ بل جاء ﷺ ليقول: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، والمقاصد الخمس الكلية للشريعة الإسلامية ترسخ القيم والأخلاق الإنسانية فى أعلى مثال لها حين تدعو إلى: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل (العرض)، وحفظ المال.
لقد أبقى الإسلام ما وافق العدل والقيم الإنسانية، وصهر المجتمع في بوتقة التوحيد والمساواة الإنسانية الكاملة التي ألغت فوارق الطبقية والرق وسحقت عبادة الأوثان.
ما فعله الإسلام لم يكن “تحديثاً” للجاهلية (كما زعم خليل عبد الكريم في تزييفه الجيني للتاريخ)، بل كان “انقلاباً جذرياً” ونهاية أبدية لعصر السفه والضلالة، وتأسيساً لمجتمع جديد يقوم على أن “لا إله إلا الله”، وأن البشر جميعاً بنو آدم، وآدم من تراب.
أما أولئك البكاؤون على أطلال الجاهلية، والمناوشون الذين يظنون أنهم يملكون الحقيقة المطلقة ببرامج “التوك شو” ومقاطع “اليوتيوب”، التى لم يدركها خليل عبد الكريم، ولا أدرك أرباحها من الذهب المنثور، فنقول لهم: ما أنتم إلا صدى باهت ومجرد “هواة” تعيدون تدوير نفايات كاهنكم المقبور.





