بعد مأساة درنكة.. جبل أسيوط الغربي يكشف كنوزًا أثرية عمرها آلاف السنين

أسيوط: محمود محمد

أعادت مأساة قرية درنكة بمحافظة أسيوط، التي راح ضحيتها رجل مسن وابنته البالغة من العمر 15 عامًا أثناء أعمال تنقيب غير مشروعة عن الآثار، تسليط الضوء على القيمة التاريخية والأثرية الفريدة لجبل أسيوط الغربي، الذي يعد أحد أهم المواقع الأثرية في صعيد مصر، ويضم بين جنباته مقابر ومعابد ومنشآت تعود إلى عصور فرعونية ويونانية ورومانية، وصولًا إلى العصر الإسلامي.

وتؤكد الحادثة أن هوس البحث عن الكنوز الأثرية بطرق غير قانونية لا يحصد سوى المآسي، في الوقت الذي تخضع فيه المنطقة لمشروعات علمية وأثرية تهدف إلى الكشف عن أسرارها وإعدادها لتصبح مقصدًا سياحيًا عالميًا.

 مدينة الذئب

تقع منطقة الهجانة بجبل أسيوط الغربي بالقرب من كوبري سيدي الأربعين، وتضم مجموعة كبيرة من المقابر الصخرية المنحوتة في قلب الجبل، والتي تعود إلى حكام الإقليم الثالث عشر من أقاليم مصر العليا، وكانت عاصمته القديمة مدينة «سيوت»، الاسم الفرعوني لأسيوط.

واكتسبت المدينة شهرتها في العصر اليوناني باسم «ليكوبوليس» أو مدينة الذئب، نسبة إلى المعبود المصري القديم «وب-واوت» الذي كان يُجسد في هيئة ذئب، وكان الإله الرئيسي للإقليم.

كما ارتبطت منطقة الهجانة عبر التاريخ باستخدامات عسكرية، إذ تشير روايات تاريخية إلى استغلالها كمخازن للأسلحة والمؤن في عصور مختلفة، بداية من العصر الفرعوني مرورًا بالعصرين اليوناني والروماني، وحتى العصر الحديث.

 مقبرة أمير تحولت إلى أسطورة

ويؤكد راغب عبد الحميد خلف الله، كبير الأخصائيين الأثريين السابق بالمجلس الأعلى للآثار، أن أغلب مقابر جبل أسيوط الغربي ترجع إلى حكام الإقليم خلال عصري الدولة القديمة والدولة الوسطى.

وتأتي في مقدمتها مقبرة الأمير جفاي حابي الأول، حاكم الإقليم في عهد الملك سنوسرت الأول من الأسرة الثانية عشرة، والتي تعد واحدة من أكبر وأهم المقابر غير الملكية في مصر القديمة.

وتقع المقبرة في المستوى الثاني من الجبل، ويعرفها الأهالي باسم «إسطبل عنتر»، ويزيد طولها على 55 مترًا، بينما يصل ارتفاع بعض حجراتها إلى نحو 11 مترًا، وقد شُيدت على طراز يحاكي المعابد المصرية الكبرى، وتزين أسقفها زخارف فلكية على هيئة نجوم ملونة لا تزال تحتفظ بألوانها رغم مرور آلاف السنين.

كما تضم المقبرة نصوصًا وعقودًا قانونية أبرمها الأمير مع الكهنة لضمان استمرار إقامة الشعائر الجنائزية الخاصة به، وهو ما يمنحها أهمية تاريخية وقانونية إلى جانب قيمتها الأثرية.

كشف أثري جديد للأميرة «إيدي»

وفي أحدث الاكتشافات الأثرية بالمنطقة، نجحت البعثة المصرية الألمانية المشتركة، برئاسة الدكتور يوخيم كال، عميد معهد الآثار بجامعة برلين، في العثور على حجرة دفن الأميرة إيدي، ابنة الأمير جفاي حابي.

وجاء الاكتشاف داخل بئر رأسية يبلغ عمقها نحو 15 مترًا، حيث عُثر على تابوتين خشبيين مزخرفين بنصوص من كتاب الموتى، بالإضافة إلى تماثيل خشبية وصندوق للأواني الكانوبية المستخدمة في الطقوس الجنائزية.

وأظهرت الدراسات الأولية أن الأميرة توفيت قبل بلوغها الأربعين عامًا، وكانت تعاني من عيب خلقي في القدم، وهو ما وفر معلومات علمية جديدة عن الحياة الصحية والاجتماعية للنخبة المصرية القديمة.

مشروع لتحويل الجبل إلى مزار عالمي

وتواصل وزارة السياحة والآثار تنفيذ مشروع متكامل لإعداد منطقة جبل أسيوط الغربي لاستقبال الزائرين، من خلال تطوير الطرق المؤدية إلى المقابر الأثرية وتسهيل الوصول إليها، بما يسهم في إدراج المنطقة ضمن أهم المقاصد السياحية والأثرية في مصر.

ويرى متخصصون أن استثمار القيمة التاريخية للجبل سيكون أكثر جدوى من عمليات التنقيب غير الشرعية التي تهدد الأرواح وتدمر التراث، خاصة أن المنطقة تضم سجلًا حضاريًا يمتد لآلاف السنين، ويعكس تعاقب الحضارات المصرية القديمة واليونانية والرومانية والإسلامية والمسيحية على أرض أسيوط.

وبينما كشفت مأساة درنكة الوجه المظلم للتنقيب غير المشروع، أعادت في المقابل الأنظار إلى جبل أسيوط الغربي، بوصفه أحد الكنوز الأثرية التي لا تزال تخبئ الكثير من الأسرار، والتي تنتظر أن تُكتشف بأيدي علماء الآثار، لا بمغامرات الباحثين عن الثراء السريع.

طالع المزيد: القس بولا فؤاد رياض يكتب: العذراء مريم في الوجدان الشعبي المصري أم الجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى