قلة شرب الماء قد تؤثر على وظائف الدماغ والتركيز

كتب: ياسين عبد العزيز
كشفت دراسات تناولت تأثير نقص السوائل على الدماغ أن عدم الحصول على كمية كافية من الماء قد يرتبط بتغيرات في بعض الوظائف الذهنية، خاصة الانتباه والتركيز واتخاذ القرار والتنسيق الحركي، وتزداد احتمالات ظهور هذه التأثيرات مع فقدان السوائل بسبب الحرارة أو ممارسة الرياضة.
3 عادات مسائية تجنبها لتقليل خطر السكتة الدماغية
وارتبطت عملية ترطيب الجسم بعمل المخ والخلايا العصبية، إذ يساعد الماء على نقل العناصر الغذائية إلى الخلايا والتخلص من الفضلات، كما يدخل في الحفاظ على وظائف الجسم الطبيعية، وعندما يفقد الجسم كمية من السوائل قد لا يقتصر الأمر على الشعور بالعطش، بل يمكن أن تظهر تغيرات في بعض المهام التي تحتاج إلى تركيز ذهني.
وأشارت مجلة New Scientist إلى نتائج أبحاث تناولت العلاقة بين كمية السوائل التي يحصل عليها الإنسان وأداء المخ، موضحة أن الدراسات لم تحدد كمية واحدة من الماء تصلح لجميع الأشخاص، لكنها دعمت أهمية تجنب الجفاف، خاصة في الظروف التي تؤدي إلى فقدان السوائل بصورة أكبر.
وأظهرت إحدى التجارب التي تناولها التقرير تأثير الجفاف على نشاط الدماغ، حيث شارك 10 طلاب في اختبارات بعد ممارسة تمرينات أدت إلى فقدان كمية من السوائل، واستخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI لمتابعة نشاط المخ أثناء أداء المهام المطلوبة.
ووجد الباحثون خلال التجربة زيادة في نشاط شبكة دماغية ترتبط بالانتباه وحل المشكلات أثناء حالة الجفاف، وفسروا هذه النتيجة باحتمال احتياج المخ إلى بذل مجهود أكبر لإنجاز المهمة نفسها، بما يشير إلى أن نقص السوائل قد يرفع الجهد المطلوب لأداء بعض المهام الذهنية.
وارتبط نقص السوائل كذلك بنتائج ظهرت في دراسة أخرى شملت 29 شخصًا بالغًا، حيث خضع المشاركون لاختبارات معرفية بعد فترة استمرت 12 ساعة دون تناول الطعام أو الماء، وقبل إحدى جلسات الاختبار حصل المشاركون على 500 ملليلتر من الماء.
وأظهرت النتائج تحسنًا في بعض الاختبارات التي تناولت الحكم واتخاذ القرار وتطلبت التفكير المتأني بدلًا من الاستجابة السريعة، لكن الباحثين لم يعتبروا هذه النتائج دليلًا نهائيًا على أن شرب الماء يحسن الذكاء أو القدرة على اتخاذ القرار، بسبب صغر حجم الدراسة والحاجة إلى أبحاث تشمل أعدادًا أكبر.
وأوضحت الأدلة التي استعرضها التقرير أن فقدان أكثر من نحو 2% من وزن الجسم بسبب الماء قد يرتبط بتراجع يمكن قياسه في بعض جوانب الأداء المعرفي، خاصة الانتباه والوظائف التنفيذية والتنسيق الحركي، وتختلف درجة التأثير من شخص إلى آخر بحسب ظروف الجسم والنشاط والبيئة.
ويعني فقدان 2% من وزن الجسم بسبب السوائل أن الشخص الذي يبلغ وزنه 70 كيلوجرامًا قد يفقد نحو 1.4 كيلوجرام من الماء، وهو مقدار يمكن أن يحدث مع التعرق وفقدان السوائل، خاصة عند ممارسة نشاط بدني في أجواء حارة أو مع عدم تعويض السوائل.
وارتبطت احتياجات الجسم من السوائل بعدة عوامل تشمل العمر والجنس والنشاط البدني والحمل والبيئة والنظام الغذائي، لذلك لا توجد كمية واحدة يمكن تطبيقها على جميع الأشخاص، كما أن إجمالي السوائل اليومية لا يأتي من الماء فقط، إذ يحصل الجسم على جزء من احتياجاته من الطعام والمشروبات الأخرى.
وأظهرت دراسة عالمية شملت أكثر من 5000 شخص تتراوح أعمارهم من حديثي الولادة حتى 96 عامًا اختلاف معدل حركة الماء داخل الجسم بين الأشخاص، وبلغ متوسط معدل دوران الماء لدى الرجال في العشرينيات والثلاثينيات نحو 4.3 لتر يوميًا، بينما بلغ لدى النساء بين 25 و60 عامًا نحو 3.4 لتر يوميًا.
ولا تعني هذه الأرقام ضرورة شرب الكمية نفسها من الماء بصورة مباشرة، إذ ينتج الجسم جزءًا من الماء خلال عمليات الأيض، كما يحصل على السوائل من الأطعمة، خاصة الفواكه والخضراوات والشوربة، إلى جانب المشروبات المختلفة التي تدخل ضمن إجمالي السوائل التي يحصل عليها الجسم خلال اليوم.
وتزداد حاجة الجسم إلى السوائل في الطقس الحار، ومع ممارسة الرياضة والتعرق، كما ترتفع الحاجة إليها عند الإصابة بالحمى أو القيء أو الإسهال، وقد تحتاج المرأة إلى تنظيم تناول السوائل خلال الحمل والرضاعة وفق احتياجات الجسم، بينما يحتاج بعض المصابين بأمراض القلب أو الكلى إلى اتباع تعليمات الطبيب بشأن كمية السوائل.
ويمكن أن يعطي لون البول مؤشرًا على مستوى الترطيب، إذ يشير البول الفاتح في كثير من الحالات إلى حصول الجسم على كمية مناسبة من السوائل، بينما قد يشير البول الداكن إلى الحاجة إلى مزيد من السوائل، لكن بعض الأدوية والأطعمة قد تغير لون البول، لذلك لا يمكن الاعتماد على هذا المؤشر وحده عند وجود أعراض مرضية أو علامات واضحة للجفاف.
ويحتاج الأطفال إلى متابعة تناول السوائل خلال اليوم، خاصة في الطقس الحار وأثناء النشاط الرياضي، لأن الأطفال الأصغر سنًا يعتمدون بدرجة أكبر على البالغين في توفير المشروبات وتذكيرهم بالشرب، كما قد يستمر الطفل في اللعب دون الانتباه إلى حاجته للماء.
وأشارت دراسة بريطانية تناولت أطفالًا في التاسعة والعاشرة من العمر إلى أن 17% منهم كانوا يعانون من الجفاف في بداية اليوم الدراسي، كما ارتبط ارتفاع مستوى الجفاف بتغير في المزاج خلال اليوم وتراجع في بعض اختبارات الذاكرة، وهو ما تناولته الأبحاث ضمن العلاقة بين الترطيب والأداء خلال اليوم الدراسي.
ويحتاج كبار السن كذلك إلى الانتباه إلى تناول السوائل بصورة منتظمة، إذ قد تصبح إشارات العطش أقل وضوحًا مع التقدم في العمر، كما يمكن أن تتراجع قدرة الكلى على الاحتفاظ بالماء بكفاءة، لذلك قد لا يكون انتظار الشعور بالعطش وسيلة كافية للحفاظ على مستوى مناسب من السوائل.
ولا يعني الحفاظ على ترطيب الجسم شرب أكبر كمية ممكنة من الماء، إذ إن تناول كميات كبيرة خلال فترة قصيرة قد يؤدي في حالات نادرة إلى انخفاض مستوى الصوديوم في الدم، وهي حالة تعرف باسم نقص صوديوم الدم، لذلك يرتبط تناول الماء بالحاجة الفعلية للجسم وليس بزيادة الكمية دون حساب.
وتشمل طرق الحفاظ على مستوى مناسب من السوائل تناول الماء على فترات منتظمة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وحمل زجاجة ماء أثناء الخروج، وتعويض السوائل خلال ممارسة الرياضة بحسب مدة النشاط وشدته ودرجة الحرارة، إلى جانب احتساب السوائل الموجودة في الطعام ضمن إجمالي ما يحصل عليه الجسم.
ويستند التعامل مع احتياجات السوائل إلى ظروف كل شخص، إذ قد يحتاج الفرد إلى كمية مختلفة من الماء من يوم إلى آخر وفق درجة الحرارة والنشاط البدني والغذاء والحالة الصحية، لذلك لا تمثل قاعدة 8 أكواب يوميًا رقمًا ثابتًا يناسب جميع الأشخاص.
وأكدت نتائج الدراسات التي استعرضتها New Scientist أن الجفاف قد يرتبط بتأثر بعض وظائف الدماغ، خاصة الانتباه والوظائف التنفيذية والتنسيق الحركي، كما قد يتطلب أداء بعض المهام الذهنية جهدًا أكبر، مع استمرار الحاجة إلى دراسات أوسع لتحديد حجم التأثير بدقة.
وتشير البيانات إلى أن الحفاظ على ترطيب مناسب يعتمد على تعويض السوائل التي يفقدها الجسم، مع زيادة الاهتمام بشرب الماء خلال الحر والرياضة، ومتابعة الأطفال وكبار السن، وعدم الاعتماد على رقم ثابت لجميع الأشخاص، مع تجنب الإفراط في شرب الماء خلال فترات قصيرة.





