محمود يحيى يكتب.. ٦ آلاف محمد صلاح حين تعود كرة القدم لملعب الشعب

عايزين تقولولي أن البلد اللي فيها ٦٠ مليون شاب مانقدرش نطلع منها ٦ آلاف محمد صلاح هذا التصريح الذي أدلى به الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارته لأكاديمية الشرطة يطرح سؤالا مهما عن واقع كرة القدم المصرية وكيف يمكن لمواهب هائلة أن تضيع بين عقبات لا تراها إلا من يعيش الواقع اليوم فكيف لبلد بهذا الحجم من الطاقات البشرية أن يعجز عن إنتاج نجوم عالميين الحقيقة أن السؤال هنا لا يرتبط بغياب الموهبة فالموهبة موجودة ومتدفقة لكن الطريق المؤدي إلى اكتشافها وصقلها أصبح مليئا بالعقبات لدرجة جعلت الحلم نفسه صعب المنال.
أولى الأزمات بدأت عندما تحولت قطاعات الناشئين في الأندية إلى مشروعات تجارية بحتة فيصبح الطفل مجرد اشتراك يدفع لا موهبة تستحق الرعاية يتقدم من يمتلك القدرة على الدفع بينما يتراجع من يمتلك الموهبة الحقيقية وهكذا يتم إقصاء آلاف المواهب قبل أن تدخل أول خطوة على الطريق، الاستثمار في الرياضة ليس خطأ لكنه يصبح خطرا حين يتجاوز الهدف الأساسي وهو صناعة لاعب حقيقي يمثل مصر ويضيف للكرة المصرية قيمة مستقبلية.
تتعمق الأزمة حين نشاهد مراكز الشباب التي كانت يوما مصنعا طبيعيا للمواهب هذه المساحات التي تربى فيها كبار نجوم الكرة المصرية أصبحت اليوم مجرد مبان بلا مشروع واضح وافتكر لما كنت صغير في سن العاشرة كنت أنتظر الفرصة لأطير إلى ساحة اللعب في مدرسة شبرا الخيمة الثانوية العسكرية كنت ألعب سواء معايا فلوس أو من غير فلوس وخرجت من المكان هذا إلى عدد من الأندية لأنه كان متنفسا حقيقيا لشباب المنطقة وللأسف أصبح اليوم مجرد مساحة مهجورة مقفولة في وجه الجميع بعد أن تم تحويله للأبنية التعليمية وازعم ان لو توفرت في مراكز الشباب الحالية هذا المساحة أو أكاديميات منظمة برسوم رمزية تناسب الأسر البسيطة لكانت الطريق الأكثر عدلا وفعالية لاكتشاف المواهب لكن ضعف الإمكانات وغياب الرؤية حولها إلى فرصة ضائعة رغم أنها الأقرب إلى نبض الناس وإلى اللاعب الحقيقي الذي يحتاج فرصة لا أكثر.
وفي وسط هذا كله تظهر مشكلة أخرى أكثر عمقا تتعلق باختيار المدربين والإداريين المنظومة في كثير من الأحيان تدار بالمعارف والعلاقات وليس بالكفاءة وموظفين المكافآت أسماء معينة تتقدم لأنها معروفة بينما أصحاب الخبرة الحقيقية يستبعدون لأنهم بلا ظهر في صناعة رياضية حديثة يفترض يعني أن تقوم على العلم والبيانات والتحليل يصبح غياب المعايير الفنية جريمة في حق الأجيال الجديدة.
الأمر يزداد تعقيدا حين ننظر إلى التكلفة الباهظة التي يحتاجها الطفل لكي يستمر في طريقه .. اشتراكات عالية تكاليف سفر مواصلات مرهقة أدوات ولبس وتجهيزات بأسعار لا يستطيع الكثيرون تحملها، في الماضي خرج محمد صلاح من بيئة بسيطة لأنه استطاع أن يجد طريقا يكافح فيه أما اليوم فالكفاح نفسه أصبح رفاهية .. الطريق مغلق أمام الطفل الموهوب الذي لا يستطيع حتى الوصول إلى التدريب ومع تضخم التكلفة يصبح الحلم حكرًا على طبقة اجتماعية بعينها بينما يتراجع أبناء الطبقات البسيطة خارج الصورة وخارج المشهد.
حتى الأكاديميات الخاصة التي أنشأها لاعبون معتزلون والتي كنا نتوقع أن تكون حاضنة للموهبة تحولت هي الأخرى إلى مشروعات ربحية تفتقر إلى رؤية فنية واضحة معظمها لا يخرج لاعبا واحدا للمنتخبات أو للأندية رغم ارتفاع الاشتراكات والقيمة التجارية التي تحملها أسماء أصحابها وكأن الصناعة بأكملها فقدت الهدف الأساسي وهو إنتاج لاعب قادر على حمل اسم بلده.
وبهذا الشكل تحولت كرة القدم من لعبة الحلم والطموح إلى لعبة يمارسها القادرون فقط .. كانت كرة الفقراء لعبة الشارع ولعبة الحواري اللعبة التي تفتح أبواب الحلم لكل طفل واليوم أصبحت أقرب إلى نشاط ترفيهي للطبقات الميسورة حين تختبر القدرة على الدفع بدل اختبار الموهبة يختفي محمد صلاح الحقيقي وسط طوابير طويلة من أبناء الأسر البسيطة الذين لم يجدوا الباب مفتوحا ليحاولوا حتى ولو مرة واحدة.
إذا كنا نسأل لماذا لا نستطيع إنتاج ستة آلاف محمد صلاح فالإجابة ليست في الشباب ولا في المواهب ولا في المجتمع الإجابة في الطريق نفسه الطريق الذي يحتاج إلى إعادة بناء كاملة وإلى مشروع يستهدف اللاعب وليس الاشتراك وإلى منظومة تدعم المدرب الكفء لا المدرب المعروف ولا اصحاب قعدة القهوة وإلى رؤية تستعيد مراكز الشباب لكي تصبح قلب اللعبة من جديد لا مجرد مبنى بلا روح.
مصر قادرة على أن تخرج عشرة آلاف محمد صلاح ليس ذلك حلما ولا مبالغة بل حقيقة واضحة إذا أعيد فتح الطريق كما يجب أن يكون الأمر يحتاج إلى قرار يعيد كرة القدم إلى ملعبها الطبيعي ملعب الشعب حينها فقط لن يكون محمد صلاح استثناء بل واحدا من آلاف القصص المصرية التي تستحق أن تروى.





