عاطف عبد الغنى يكتب: ظهور “حسم الإرهابية”: قراءة في الرسائل وخلفيات الصمت الرسمى

بيان

أثار الفيديو الأخير الذي بثته ما تسمى “حركة حسم” الإرهابية المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين بعض الجدل في الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط لكونه يُعدّ أول ظهور مرئي للحركة منذ أكثر من ثلاث سنوات، بل لما حمله من رسائل مشفّرة في توقيت بالغ الدقة على المستويين المحلي والإقليمي.
الأهم، ربما، كان في الصمت على المستوى الرسمى للدولة المصرية، وفى المقابل الاهتمام – لا سيما في الإعلام الإسرائيلي – الذي بدا مشغولًا أكثر من غيره بفك شيفرات هذا الظهور المفاجئ.

رسائل “حسم” في ظهورها الأخير

في الفيديو الذي وُصف بـ”الاحترافي تقنيًا والدعائي رمزيًا”، حاولت الحركة إعادة تقديم نفسها كـ”تنظيم ثوري منضبط ومتماسك”، يتحدث بلهجة فيها تقاطع مع أدبيات التنظيمات الجهادية، ولكن بجرعة سياسية تخاطب الداخل المصري بوضوح.

ومن حيث التوقيت فأن توقيت ظهور الفيديو لم يكن عشوائيًا، فقد تزامن مع توترات إقليمية كبرى، أبرزها العدوان الإسرائيلي على غزة، والتصعيد على حدود رفح، ومخاوف دولية من احتمال تدفق اللاجئين الفلسطينيين إلى سيناء.

أما المكان المجهول الذى تم تصوير الفيديو فيه، فقد اختار صانعوه موقعا صحراويا، ليبدو أنه داخل الأراضي المصرية فيما يشير إلى محاولة الحركة إظهار امتلاكها لحاضنة جغرافية – ولو رمزية – داخل البلاد.

وكما أسلفنا فأن الخطاب الوارد فى الفيديو قد احتوى على تحذيرات من “مخاطر قادمة”، ووعد بـ”العودة”، دون توجيه تهديد مباشر، بل بلغة مبطّنة تشبه الإنذارات.

صمت الدولة.. قراءة متعددة الزوايا

كان لافتًا أن الدولة المصرية لم تصدر أي بيان رسمي تعليقًا على الفيديو، ولم يرد ذكره في الإعلام بشكل عام، وهذا الصمت إن دل على شىء فإنما يدل على عدم رغبة في تضخيم الظهور، أو إعطائه أكثر مما يستحق إعلاميًا.

ويدل أيضا على ثقة أمنية في السيطرة على الموقف، خاصة أن العمليات النوعية للحركة تراجعت بشدة منذ 2020.

وربما يأتى (الصمت الرسمى) كجزء من تعامل تكتيكي لا يُستبعد أن يتغير إذا ظهر ما يشير إلى إعادة تنظيم الصفوف أو دخول أطراف خارجية على الخط.

مزاعم إسرائيل: رُعب من “سيناريو سوري” 

اللافت للنظر هو أن الإعلام الإسرائيلي انشغل بتحليل الفيديو أكثر من الإعلام المصري نفسه، وبعض المقالات التي نُشرت في صحف إسرائيلية استندت إلى ما قيل إنها تقديرات استخبارتية، وأشارت إلى الآتى:

  • خشية إسرائيل من “سيناريو سوري” في مصر، أي انهيار مفاجئ للنظام وظهور جماعات مسلحة كفاعل ميداني.

  • رصد “حسم” كعنصر محتمل لإشعال فوضى إذا تراخت القبضة الأمنية.

  • الربط بين سيناء كمنطقة هشة، وظهور “حسم” كمبرر لتحركات إسرائيلية مستقبلية في ملف غزة.

وذهب بعض المحللين الإسرائيليين إلى حدّ القول إن عودة الحديث عن جماعات مثل “حسم” قد تُستخدم لتبرير سيناريوهات “توسيع أمن الحدود” أو الدفع بمخططات “التهجير نحو سيناء”، بزعم أن المنطقة لم تعد آمنة لا للمصريين ولا للفلسطينيين.

لماذا الآن؟

السؤال الجوهري هو: لماذا الآن؟!.. لماذا “حسم”؟!.. وهل كان الفيديو مجرد استعراض إعلامي، أم مقدمة لمرحلة جديدة من النشاط؟ بعض السيناريوهات المطروحة تشمل:

أولا: محاولة توظيف اللحظة الإقليمية المشحونة (غزة، رفح، التوتر المصري الأمريكي) لتخويف الداخل وإيهام الخارج بوجود معارضة راديكالية فى مصر.

ثانيا: إيصال رسالة إلى من يهمه الأمر بأن “الخيار الإسلامي المسلح لم يمت”، وأن هناك أوراقًا لا تزال قابلة للعب.

ثالثا: احتمال أن تكون رسالة داخلية ضمن معركة النفوذ داخل التيارات الإسلامية المعارضة، في ظل تحولات فكرية وتنظيمية عميقة منذ 2013.

صمت الدولة

محاولة إحياء ميليشيا الإخوان الإرهابية مثل “حسم” أو غيرها كورقة ضغط على مصر، ليس حدثًا معزولًا عن صراعات المنطقة، بل حلقة في مشهد إقليمي مركّب، تُستخدم فيه الرموز، كما تُستخدم البيانات.

وإذا كانت قدرات الحركة، أو الجماعة التى تنتمى إليها – الآن – على الأرض موضع جدل، فإن توظيفها سياسيا لا يزال مطروحا يُقرأ ويؤوّل، حتى في تل أبيب.
ما يبقى مؤكدًا هو أن صمت الدولة المصرية ليس  ضعفا، ولكنه أداة متقدمة من أدوات الحرب، التي لا تنقلها الشاشات، ولكن تفككها أجهزة الرصد والتحليل.

طالع المزيد:

عاطف عبد الغنى يكتب: « ص . د » واعظ في موسم توزيع الغفران

زر الذهاب إلى الأعلى