باسم العاصى يكتب: معركة وجودية

بيان

وجودي هو حرف واحد فقط، واستمراري في الحياة هو قول ذلك الحرف (على شريعتي) في نثرٍ واقعي لبطولةٍ حقيقيةٍ على أرض الواقع، نابعةٍ من كيانٍ داخلي للفرد أمام مصيره، وإثبات وجوده في تصاعد غليان الحياة ونبضها برحابةٍ عفويةٍ وحماسيةٍ أمام مواجهةٍ عسكريةٍ غير متكافئة، يستمد فيها المقاوم قوته من جوهره الحقيقي الكامن في طبعه البطولي النابع من إيمانه بعدالة قضيته، في ظروفٍ قاسية تنهار أمامها المبادئ وتتحطم تحت وطأة الجوع والعطش والعمل المضني.

يحاول أن يقاوم منفاه داخل حدوده، مطالبًا بالصمت والاستسلام من أولئك الذين يدّعون الجنس الاسمي ضد الذين يقتلهم الجوع، فيواجه زوبعة الحقد البشري بإيمانٍ راسخٍ بأحقية وجوده ورغبته في الحياة، في ملحمةٍ تراجيديةٍ لا تتمثل فقط في من يقاوم بالسلاح، بل في شعبٍ بأكمله يقاوم المأساة بإرادةٍ حرةٍ تمارس فعاليتها في ظل يقينٍ بمكانة الإنسان في العالم وحقه في الحياة.

يحاول أن يقاوم يأس مستقبله، يصابر في انتظارٍ مرير، مستصرخًا متحسرًا من صمت العالم الذي كان يدّعي، في سيولٍ استهلاكية لمعاني الرحمة وحقوق الإنسان، حتى أفقدته مادّيتها الملموسة معانيها. (سقط القناع – محمود درويش)

يقاوم حاضرًا يتداخل فيه الزمن، حيث تصبح الحرية ضرورةً، ويغدو الاختيار تاريخًا. وأمام هذه الأوقات العصيبة التي تقول إن هذا اليوم ليس من أجلك، يصبح السبيل الوحيد هو الدفاع عن إنسانية الإنسان. (فنحن شعبٌ يحب الحياة إذا ما استطاع إليها سبيلاً – محمود درويش)

ينظر إلى الماضي المعلوم متطلعًا إلى مستقبلٍ يعتمد على قراره وسط الأحداث المؤثرة في الطباع، لا يتباكى عند حائط المبكى، بل يحمل صليبه على كتفيه بطبعٍ فولاذي، في ظروفٍ فائقة القسوة، أمام العالم أجمع، بمواجهةٍ وشجاعةٍ تفوق بالفعل شجاعة الجندي أثناء المعارك. فمن السهل أن تموت في وسط المعركة، ولكن من الصعب أن تموت شيئًا فشيئًا من الجوع، أو أن تتوقع في كل لحظة أن تنفجر رصاصة في رأسك من تنفّس الموت المتجمّد المستمر.

لقد ظهرت بطولةٌ إنسانيةٌ في الأسر والحصار الجماعي لشعبٍ بأكمله، بإرادةٍ واعيةٍ للحياة، وإرادةٍ مرتبطةٍ بهويته وتاريخه. ليست مقاومةً فقط أمام إبادةٍ جماعيةٍ من احتلالٍ غاشم، بل أيضًا أمام قيمٍ نيوليبرالية تعيد صياغة سيادة الدول وحق تقرير المصير بما يتناسب مع تطلعاتها الإمبريالية، بخطابٍ سياديٍ يرسّخ مفهوم الغابة في العلاقات الدولية.

اقرأ أيضا للكاتب:

باسم العاصى يكتب: الذكاء الاصطناعي.. الوجه الجديد للأخ الكبير

زر الذهاب إلى الأعلى