تقرير يكشف تفاصيل شبكة التمويل السرية للإخوان عبر “الاقتصاد الحلال السائل”

كتب: ياسين عبد العزيز

كشفت تحذيرات متزايدة عن احتمالية استغلال منظومة “الاقتصاد الحلال” المتنامية كواجهة مالية مرنة جداً لتمويل أجندات تنظيمات متشددة، وذلك في الوقت الذي يُفترض فيه أن يرتكز هذا النوع من الاقتصاد على اعتبارات دينية وتنظيمية تتصل بشكل أساسي بسلامة المنتج الاستهلاكي، مما يثير تساؤلات خطيرة حول مدى شفافية وشرعية بعض الكيانات العاملة تحت هذا الستار، وأشار التقرير إلى أن هذا الاستغلال يهدد بتشويه صورة هذا القطاع الحيوي.

وزير الخارجية يبحث تعزيز التعاون الاقتصادي وقضايا غزة وأوكرانيا مع بولندا

قدم الخبير المتخصص في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، قراءة تفصيلية معمقة لطبيعة هذا الاقتصاد وآليات عمله الخفية، خلال حديثه لوكالة سكاي نيوز عربية، واضعاً إياه ضمن سياق منظومة أوسع يطلق عليها اسم “الاقتصاد السائل”، وهو اقتصاد عابر للحدود الجغرافية ومنيع تقريباً على الرقابة المباشرة.

ويؤكد فرغلي أن اختزال اقتصاد الحلال في تجارة اللحوم وحدها يعد تبسيطاً مضللاً وغير دقيق، نظراً لاتساع نطاقه ليشمل مستحضرات التجميل، والمعلبات، والمطاعم، ومشتقات متعددة تدخل ضمن منظومة استهلاكية عالمية.

جعل هذا الاتساع الكبير في الأنشطة من “اقتصاد الحلال” شبكة معقدة تتشابك فيها الأنشطة التجارية المعلنة مع أدوار تنظيمية ومالية سرية، مما يفتح المجال واسعاً أمام توظيفها واستغلالها بعيداً عن القوالب الاقتصادية التقليدية والشفافة.

وفي صلب تحليل فرغلي، يبرز مفهوم “الاقتصاد السائل” الذي يصف به نمط التمويل المرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين، حيث يختلف هذا الاقتصاد عن الاستثمارات الصلبة كالعقارات أو الشركات المحلية الواضحة، مما يجعله أكثر قدرة على الاختفاء والتملص من الرقابة.

لا يستقر هذا “الاقتصاد السائل” في كيان واحد محدد يمكن تتبعه أو تفكيكه بسهولة من قبل السلطات المختصة، بل يتحرك عبر محافظ مالية وإلكترونية سريعة، وشركات “أوف شور” خارجية، وشبكات تحويل مرنة جداً، تجعل من عملية المحاسبة أو التتبع الشامل لجميع مسارات الأموال شبه مستحيلة ومعقدة للغاية.

ووضع فرغلي اقتصاد الحلال في قلب هذه المنظومة التمويلية، باعتباره أحد أهم روافدها الرئيسية وأكثرها قدرة على الدوران والحركة السريعة بين الجغرافيات المختلفة حول العالم.

رسم الخبير فرغلي خريطة واضحة لانتشار مراكز “اقتصاد الحلال” المشبوهة التابعة للتنظيم، مشيراً إلى تمركزه القوي في كل من أوروبا وأميركا اللاتينية وأميركا الوسطى، مع تركيز خاص ومكثف في البرازيل، ففي هذه المنطقة، برزت شركات الحلال المرتبطة بتصدير اللحوم ومشتقاتها، لتتحول بمرور الوقت إلى محور رئيسي وفعال ضمن شبكة اقتصادية ضخمة ودوّارة، ويؤكد أن هذا الانتشار لم يأتِ بمحض الصدفة، بل هو نتيجة عمل تراكمي ومنظم امتد لنحو خمسين عاماً، اعتمد بشكل أساسي على استراتيجية “التوطين” عبر إنشاء شركات راسخة وتثبيت أفراد وشباب موالين داخل هذا القطاع.

وصف فرغلي اقتصاد الإخوان بأنه “دوار” لا يسير في قناة مالية واحدة ومستقرة، بل ينتقل بذكاء من مسار إلى آخر، ومن جهة إلى ثالثة، ضمن دواليب مالية متحركة ومعقدة جداً، وتمنح هذه الطبيعة المتشعبة والمتغيرة هذا الاقتصاد القدرة الهائلة على الإفلات من الرقابة المباشرة والمحكمة، ويحوّله إلى شبكة معقدة يصعب جداً الإمساك بجميع خيوطها كاملة، حتى مع توافر معلومات جزئية ومتقطعة عن بعض مكوناتها وأنشطتها التجارية.

لا يتوقف الأمر، وفقاً لتحليل فرغلي، عند حدود المنتجات الحلال التقليدية والمعروفة، إذ أشار إلى توسع هذه الشبكة التمويلية نحو أنشطة أخرى مثل تجارة الأخشاب، ولا سيما في أميركا اللاتينية، ويذهب إلى أن عائدات هذه الأنشطة غير التقليدية قد تصل، عبر مسارات معقدة جداً ومخفية، إلى تنظيمات متشددة مختلفة حول العالم، واستحضر في هذا السياق قضايا محددة، منها قضية القيادي عبد الله بو نمادي، المرتبطة بتصدير الأخشاب وارتباطها بمؤسسات تحمل واجهات دينية مزيفة، إضافة إلى تفكيك خلية معروفة باسم “هاش تاغ” وشركات حلال تم ذكرها صراحة ضمن التحقيقات الرسمية.

عزز فرغلي تحليله بالإشارة إلى تجربته الشخصية المباشرة في أميركا اللاتينية، حيث اطلع ميدانياً على أوضاع شركات الحلال وآليات عملها السرية، وأكد أن هذه الشركات تعتمد أسلوباً منظماً يقوم على استقدام رموز دينية من منطقة الشرق الأوسط، يتم تقديمهم بوصفهم دعاة أو مشرفين دينيين مزيفين، ويتم تعيينهم داخل الشركات مقابل مبالغ مالية كبيرة جداً، وتقتصر مهمتهم الرئيسية على توثيق عملية الذبح الشرعي فقط، مقابل عمولة محددة على كل ذبيحة، فيما تحصد الشركات نفسها عوائد مالية ضخمة جداً، تصل إلى مئات الملايين من الدولارات.

تحدث فرغلي عن عوائد تُقدَّر بنحو مائتي مليون دولار أمريكي من شركات الحلال في أميركا اللاتينية وحدها فقط، مستنداً في ذلك إلى وثائق مهمة اطلع عليها شخصياً، مشيراً إلى أن هذه اللحوم تصدر إلى دول عدة في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر، برأيه، التحركات الأخيرة التي اتخذتها بعض الدول للامتناع عن التعامل مع شركات معينة، بعد أن تبين سيطرة تنظيم الإخوان على هذا القطاع الحيوي واستغلاله، مما يتطلب تنسيقاً دولياً أكبر.

ميز فرغلي بوضوح بين الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية ومحاربة استغلال هذه الأحكام لتمويل الإرهاب والتنظيمات المتشددة، مؤكداً أن الإشكالية الحقيقية لا تتعلق بمشروعية الذبح الحلال أو بالإشراف الديني الصحيح، بل بتسييس هذا القطاع وتوظيفه مالياً لخدمة أجندات متطرفة، واعتبر الخطوات التي اتخذتها مصر، عبر إنشاء شركات حكومية تشرف مباشرة على كل ما يتعلق بقطاع الحلال، نموذجاً إيجابياً يحتذى به لضمان الضبط والشفافية.

يرى فرغلي أن حصر الإشراف على قطاع الحلال بجهات حكومية رسمية، وترشيح المشايخ والمشرفين عبر الدول وليس عبر التنظيمات والجماعات، يمثل مساراً عملياً وفعالاً لتجفيف منابع “الاقتصاد السائل” الممول للإرهاب، وإخضاع هذا القطاع الحساس لرقابة مؤسسية واضحة وشفافة، مما يضمن سلامة المنتج ومشروعية التمويل على حد سواء.

زر الذهاب إلى الأعلى