شركات أمريكية تتنافس سراً على عقود إعادة إعمار غزة المليارية
كتب: ياسين عبد العزيز
كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن تفاصيل مثيرة حول تسابق مسؤولين نافذين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتوازي مع شركات جمهورية قوية، للسيطرة على ملفي المساعدات الإنسانية واللوجستيات المتعلقة بإعادة إعمار قطاع غزة المدمر، حيث تُمثل هذه الجهود فرصة اقتصادية ذهبية ذات أبعاد تاريخية للشركات المتخصصة في مجالات البناء والهدم والنقل والخدمات اللوجستية، في ظل حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع، ويجري التنافس خلف الأبواب المغلقة على الفوز بامتيازات حصرية تدر مليارات الدولارات.
عبدالغني: مؤتمر الدوحة حول غزة يطرح تصورًا لقوة دولية بثلاثة عناوين رئيسية
سيكون الدور المحوري للجهة التي تفوز بهذا الامتياز، هو تعيين «مقاول رئيسي» يتولى مهمة توفير ونقل ما يصل إلى ستمائة شاحنة يوميًا، محملة بالمواد اللازمة للمساعدات الإنسانية والبضائع التجارية إلى داخل قطاع غزة، ويُقترح على هذا المقاول فرض رسوم محددة تصل إلى ألفي دولار أمريكي على كل شحنة مساعدات إنسانية، ورسوم أخرى أعلى بكثير، تقدر باثني عشر ألف دولار، على كل شحنة تجارية تدخل القطاع، وهو ما يضمن تدفقًا ماليًا ضخمًا.
أوضحت الصحيفة البريطانية أن هذا المقاول، الذي سيعمل بمثابة جهة ترخيص ومُنظمة للحركة التجارية والإنسانية، سيكون قادرًا على «تحقيق عائد مالي كبير» من كافة العملاء الإنسانيين والتجاريين الراغبين في إدخال بضائعهم إلى غزة، وتشير التقديرات المالية الأولية إلى أن إيراداته السنوية، من مجرد رسوم الشاحنات فقط، يمكن أن تصل إلى نحو 1.7 مليار دولار أمريكي، مما يجعله واحدًا من أكثر العقود ربحية على مستوى العالم، وتجذب إليه كبرى الشركات الطامحة.
برزت شركة «غوثامز» للمقاولات، كواحدة من أبرز المتنافسين على هذا العقد الضخم، وهي شركة تتمتع بنفوذ سياسي كبير، وسبق لها أن فازت بعقد قيمته 33 مليون دولار لإدارة مركز احتجاز المهاجرين سيئ السمعة، الواقع في جنوب ولاية فلوريدا، والذي يُعرف باسم «ألكاتراز التمساح»، حيث يُحتجز المهاجرون في ظروف صعبة داخل خيام ومقطورات غير ملائمة، وهو ما يعكس قدرتها على الفوز بعقود حكومية حساسة، وتجعلها في صدارة المنافسة القائمة.
تشير وثائق داخلية، وتأكيدات من ثلاثة أشخاص مطلعين على هذه الخطط السرية، إلى أن شركة المقاولات كانت قاب قوسين أو أدنى من الحصول على ما يمكن وصفه بأنه «فرصة ذهبية» للفوز بالعقد الأكثر ربحية في تاريخها التشغيلي، ولكن بعد استفسارات وجهتها صحيفة الجارديان، أعلن مؤسس الشركة مات ميكلسن، في مقابلة جرت يوم الجمعة، أنه قد أعاد النظر في مشاركة شركته في هذا المشروع الطموح والخطير، وقرر الانسحاب منه رسميًا، مُشيرًا إلى تخوفات جدية مرتبطة بالوضع الأمني المعقد في المنطقة.
مع تضرر أو تدمير ما يقدر بثلاثة أرباع مباني قطاع غزة، نتيجة للغارات الإسرائيلية التي استمرت لعامين، فإن جهود إعادة الإعمار المرتقبة، والتي تقدرها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار، تُشكل فرصة استثمارية كبيرة وغير مسبوقة لكبرى الشركات العالمية، ولكن الملاحظ أنه لا توجد آلية واضحة ومُقررة لإبرام عقود طويلة الأجل، سواء لإعادة الإعمار أو لتنظيم المساعدات الإنسانية حتى تاريخه، رغم تصديق الأمم المتحدة على «مجلس السلام» برئاسة دونالد ترامب، لإدارة القطاع، لكن هذا المجلس لم يبدأ عمله الفعلي بعد، كما أن صلاحيات مركز التنسيق المدني العسكري الجديد تبدو محدودة النطاق، وهو ما يعيق بدء العمليات.
في موازاة هذه المساعي الرسمية، قام البيت الأبيض بتشكيل فريق عمل خاص ومكثف يُعنى بشؤون غزة، ويُقاد هذا الفريق بشكل مباشر من قبل جاريد كوشنر، ويضم في عضويته ستيف ويتكوف وأريه لايتستون، وهو ما يبرز الاهتمام الأمريكي الرفيع والمباشر بتفاصيل إدارة القطاع ومستقبله، مما يؤكد على أهمية هذه الملفات في الأجندة الأمريكية، وتزايد حدة التنافس على نيل عقودها.
علمت صحيفة الجارديان أن اثنين من المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية الأمريكية، اللذين كانا يعملان ضمن فريق الملياردير إيلون ماسك، والذي كان مكلفًا بمهمة تقليص حجم الحكومة وتسريح عدد كبير من الموظفين الفيدراليين، هما من يقودان حاليًا النقاشات داخل المجموعة الأمريكية حول آليات المساعدات الإنسانية وعمليات إعادة إعمار قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، وقد قام هذان المسؤولان بتوزيع عروض تقديمية مُفصلة وشاملة، تتضمن خططًا تفصيلية للجوانب اللوجستية للعمليات، بما في ذلك تحديد الأسعار المتوقعة، والتوقعات المالية، بالإضافة إلى تحديد المواقع المحتملة لإنشاء المستودعات الكبيرة اللازمة لتخزين المساعدات والمواد الإنشائية.





