الأزهر للفتوى يحسم حكم تصوير الأشخاص ونشر صورهم

كتب: ياسين عبد العزيز

أوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية حكم تصوير الأشخاص ونشر صورهم دون الحصول على إذنهم، مؤكدًا أن الخصوصية حق معتبر لكل إنسان، وأن الاعتداء عليها يمثل أذى وانتهاكًا لحقوق الآخرين، سواء جرى نشر الصور أو المقاطع المصورة لاحقًا أم لم يتم نشرها.

جامعة الأزهر تعلن نتيجة تنسيق 2026 والحدود الدنيا للكليات

وذكر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، في بيان له، أن تصوير الشخص داخل منزله، أو في مكان يعتقد أنه بعيد عن أعين الناس، أو خلال موقف لا يرغب في تصويره، يعد تعديًا على خصوصيته، حتى إذا لم تُنشر الصورة أو الفيديو، واستند المركز إلى قول الله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12]، وإلى حديث النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أخرجه ابن ماجه].

وبيّن المركز أن بعض الحالات قد تستدعي تصوير الشخص لإثبات اعتداء، أو توثيق حادث، أو حفظ حق، أو تقديم دليل إلى جهة مختصة، وغيرها من المصالح المعتبرة، موضحًا أن هذه الحالات تخضع لقدر الحاجة والضرورة، وفقًا للقاعدتين الفقهيتين: “الضرورات تبيح المحظورات”، و”الضرورة تُقدَّر بقدرها”، مع ضرورة عدم تجاوز الغرض الذي تم التصوير من أجله.

وحذّر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية من تحويل التوثيق إلى وسيلة للفضح والتشهير، أو استخدام حفظ الحقوق في ممارسة الابتزاز، مؤكدًا أن إزالة ضرر لا تبرر إحداث ضرر آخر يماثله أو يفوقه، ولذلك ينبغي أن يقتصر التصوير على ما تقتضيه الحاجة دون التوسع في استخدامه أو تداوله خارج الغرض الذي تم من أجله.

وأكد المركز أن الحاجة أو الضرورة التي تبرر تصوير شخص في بعض الحالات لا تعني السماح بنشر الصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما لا تبرر إظهار وجه الشخص أو بياناته الشخصية، أو استخدام الصورة في السخرية منه والتشهير به، لأن التصوير في هذه الحالة ينتقل من وسيلة لحفظ الحق إلى وسيلة للإيذاء وانتهاك الخصوصية.

وأوضح أن تداول الصور أو المقاطع المصورة دون إذن أصحابها، وإعادة نشرها ومشاركتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا يقل خطورة عن التصوير بغير وجه حق، مشيرًا إلى أن تعرض شخص لموقف محرج أو وقوعه في خطأ لا يجعل ما حدث ملكًا للمتفرجين، ولا يمنح الآخرين حق نشر الواقعة وتوسيع دائرة الضرر الواقع عليه.

وأشار المركز إلى أن الرغبة في المشاهدة أو زيادة التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي لا تبرر إيذاء الأشخاص أو التشهير بهم، لأن انتشار المحتوى لا يغير من طبيعة الحق في الخصوصية، كما أن إعادة مشاركة صورة أو مقطع تم الحصول عليه دون إذن تسهم في توسيع نطاق التعدي، وتزيد من عدد الأشخاص الذين تصل إليهم الواقعة.

وأضاف مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن الستر على الناس عند وقوع الخطأ قد تترتب عليه في كثير من الحالات مصلحة للفرد والمجتمع، مؤكدًا أن الستر لا يعني تبرير الخطأ أو إقراره، وإنما قد يساعد المخطئ على التراجع عن فعله، ويحافظ على كرامته من تحول زلة عابرة إلى وصمة تظل مرتبطة به وبأسرته وأولاده.

واستشهد المركز بقول النبي ﷺ: “مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” [متفق عليه]، موضحًا أن التعامل مع أخطاء الآخرين ينبغي أن يراعي كرامتهم وحقوقهم، وألا يتحول وقوع الإنسان في خطأ أو موقف عابر إلى سبب لاستمرار الأذى بحقه من خلال التصوير والنشر وإعادة التداول عبر المنصات الرقمية.

وشدد المركز على أهمية مراعاة مصالح الناس وحقوقهم عند استخدام التصوير، فإذا كان الهدف حفظ حق، أو دفع ضرر، أو توثيق واقعة معتبرة، فينبغي الاقتصار على قدر الحاجة، ثم إيصال المادة إلى الجهات المعنية، دون تجاوز ذلك إلى نشرها أمام الجمهور أو استخدامها في التشهير أو الإيذاء.

ولفت إلى أنه إذا لم توجد حاجة إلى تصوير الأشخاص، فالأولى الابتعاد عن تصويرهم وتتبع عثراتهم، وعدم نشر ما جرى تصويره أو تداوله مع الآخرين، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: “يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه” [أخرجه أبو داود].

وذكر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية قول الله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]، كما استشهد بقول النبي ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [أخرجه أحمد]، مؤكدًا أهمية صيانة أعراض الناس وعدم المشاركة في نشر ما يسيء إليهم.

وأكد المركز في ختام بيانه أن الحياة العامة للإنسان لا ينبغي أن تتحول إلى مساحة مباحة للجميع دون ضوابط، فلكل شخص خصوصيته وحقه في صيانة كرامته، كما لا ينبغي أن تتحول المواقف العابرة والأخطاء الشخصية إلى مواد متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بما يؤدي إلى استمرار أثرها وتوسيع نطاق الضرر الواقع على أصحابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى