د. إسلام جمال الدين شوقى: الاقتصاد فى عصر الحروب وصناديق الأزمات الجيوسياسية
بيان
قال خبير الاقتصاد ومحلل أسواق المال د. إسلام جمال الدين شوقى، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، الحقيقة أن ما يجري في منطقتنا، وخاصة مع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل، جعل الكثير من مراكز صنع القرار والشركات الاستثمارية الكبرى تفكر جديًا في إعادة النظر بأدواتها التقليدية، والمطلوب الآن أدوات أكثر مرونة، قادرة على التعامل مع أزمات لا نعرف متى ستضرب.
استثمار الأزمات
وأضاف د. شوقى فى تصريحات خاصة لـ “موقع بيان” متسائلا: من كان يتخيل أن فكرة “صندوق الطوارئ” – تلك الأداة المالية البسيطة التي اعتدنا عليها لمواجهة الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية – ستتحول يومًا ما إلى وعاء استثماري يجذب المضاربين والمستثمرين كالمغناطيس؟.
وواصل: كانت الحروب في الماضي تضرب أسواق الطاقة والنفط والأسهم بشكل مباشر، لكن اليوم الوضع مختلف تمامًا، وامتد التأثير إلى حركة رؤوس الأموال وأولويات الصناديق السيادية، حتى السياسات النقدية التي تتحكم في الإقراض والاستثمار تأثرت.
وأضاف الخبير الاقتصادى أنه مع هذا الواقع الجديد، بدأنا نسمع عن فكرة جديدة: “صندوق استثماري للطوارئ الجيوسياسية”، الفكرة ليست مجرد تأمين للأصول أو حماية من الخسائر، بل تحويل هذه الأزمات إلى فرص ربح حقيقية حيث يمتص الصندوق توترات الأسواق ويستفيد من تقلبات الأسعار، سواء في السلع الأساسية أو المعادن الثمينة أو حتى سندات الدين الحكومية.
صناديق الطوارئ التقليدية
وأوصح د. شوقى أن صناديق الطوارئ التقليدية كانت موجهة بالأساس للحكومات والمؤسسات الدولية لمواجهة الأوبئة والكوارث البيئية.
ولكن الآن، مع تكرار الأزمات المسلحة في الشرق الأوسط وما يتبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، حدثت تغيرات فى المعادلة كليًا فأصبحت صناديق الطوارئ بديلاً اقتصادياً للاستثمار الآمن، والمستثمرون يتسابقون عليها – ليس فقط لحماية أموالهم، بل لتحقيق مكاسب مضاعفة من أسواق “ترقص” مع كل خبر عاجل.
وقال إن الجميل في فكرة هذا الصندوق أنها لا تقتصر على السلع التقليدية كالذهب والنفط، فهناك توجه نحو استثمارات غير تقليدية: مشاريع تحلية مياه البحر، محطات تخزين الطاقة، شركات الأمن السيبراني، والبنية التحتية الرقمية.
وأوضح أن السبب بسيط حيث يدرك الجميع أن الحرب القادمة قد لا تكون بالصواريخ والدبابات فقط، بل قد تبدأ من خلال شاشة حاسوب أو عطل في شبكة الكهرباء.
وتواجه البنوك المركزية والمؤسسات النقدية الدولية الآن معضلة حقيقية: كيف تتعامل مع هذه الصناديق الجديدة؟.
هل تصنفها كأداة مالية تحوطية بحتة.. أم كصناديق استثمار تقليدية؟.
وكيف يمكن ضبط حركتها في السوق بحيث لا تتحول إلى أداة مضاربة خطيرة تزيد من هشاشة الأسواق في فترات الأزمات؟
هذه الأسئلة السابقة تحتاج إجابات عملية، وسريعة.
الإجابات
يقول د. شوقى إن الفكرة لن تبقى محصورة في أسواق الشرق الأوسط فبعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية – وخاصةً التي تعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية متكررة – بدأت فعلاً تدرس جدوى إنشاء صناديق طوارئ مشابهة تركز على الغذاء والدواء والطاقة النظيفة.
وفي الوقت نفسه، المؤسسات المالية الكبرى في أوروبا تعكف على إعداد تقارير حول تأثير هذه الصناديق على حركة الأسهم والمؤشرات الإقليمية.
ويواصل: إن وجود صناديق الطوارئ الجيوسياسية سيغير بشكل جذري طريقة تفاعل الأسواق مع الأزمات، حيث كانت الأسهم الدفاعية في الماضي مثل الغذاء والصحة والطاقة تحصل على النصيب الأكبر من السيولة وقت الحروب.
والآن، مع وجود صندوق يوجه أمواله بعناية إلى قطاعات مختارة، ستتغير أولويات المستثمرين. أسهم كانت هامشية قد تصبح فجأة ملاذًا آمنًا بسبب ارتباطها بالبنية التحتية أو الأمن السيبراني.
وفي المقابل، ستواجه أسهم المضاربة والقطاعات الأقل تحصينًا موجات بيع عنيفة مع كل إشاعة أو تهديد جيوسياسي جديد.
نقاشات خبراء الاقتصاد
إن النقاش الدائر حاليًا في أوساط خبراء الاقتصاد مثير للاهتمام ويتفجر عنه السؤال: هل ستتحول هذه الصناديق مع الوقت إلى نوع من “التأمين العسكري-الاقتصادي” غير المعلن؟
بدلاً من أن تكتفي الدول بتكديس الأسلحة أو بناء تحالفات عسكرية تقليدية، ستخصص استثمارات استراتيجية في قطاعات حساسة تمكنها من استيعاب صدمات الحرب دون دفع الثمن الاقتصادي الكامل.
خلاصة القول
وينتهى د. شوقى إلى القول: نحن أمام واقع جديد لا يشبه شيئًا مما عرفناه من قبل. سوق مالية عالمية تعيد ترتيب أولوياتها، ومجتمعات استثمارية تدرك أن الحروب لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل جزء من دورة الاقتصاد.
وسواء ظهر هذا الصندوق كأداة مالية تحوطية أو كآلية تأمين ذكية، فإنه سيصبح – بلا شك – سلاحًا اقتصاديًا جديدًا في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة بسرعة مذهلة.
طالع المزيد:
– د / إســلام جـمال الـدين شوقى يكتب: وقف التعامل بالدولار





